- غزة تتأرجح بين الحرب والدبلوماسية وعام آخر ينزف نحو عام جديد، يشق الفلسطينيون طريقهم الوعرة، مسدلين الستائر على واحد من أكثر الأعوام قسوة في تاريخهم، كان عنوانه الأبرز «هدنة مع وقف التنفيذ.. تصدير تداعيات الحرب.. وإرجاء المرحلة الثانية» وظلت فيه غزة تتأرجح على حافة الدبلوماسية والحرب، تنفيذاً لشعار «لا تهدئة ولا حرب». يشيّع الفلسطينيون عامهم، مع مواصلة تشييع شهدائهم، الذين طواهم العام الآفل، قبل أن يطوي صفحته الأخيرة، وإن بدت غزة وكأنها نجت من إبادة مفتوحة، وبأعجوبة. في العام 2025، تشابكت المسارات في القطاع المنكوب، الذي كان شاهداً على هدنتين، سطرت فيهما الدبلوماسية القطرية نجاحات مذهلة، ونجحت في اختراق جدار الحرب مرتين. اليوم، وإن كان من الصعوبة بمكان على أشهر «العرّافين» والعارفين ببواطن الأمور، التنبؤ بمآلات عام بدا كأنه منغمس في لعبة الإقحوان «هدنة.. حرب.. هدنة.. حرب» وهلم جرا، ففيما غزة تعدّ الأيام والليالي الساخنة، فإنها تعضّ على الأصابع، مع الكيان الإسرائيلي، قبل أن يمنحها العام الجديد الضوء الأخضر للانتقال إلى عام جديد «يغاث فيه الناس». وقد يخيّل للمراقب والمتابع، أن العام 2025، كان مختوماً بوقف الحرب، لكن أياماً شديدة الوعورة والخطورة، غلفت المشهد حتى بعد اتفاق 9 أكتوبر لوقف إطلاق النار، فظلت غزة كقطعة خشبية، تعوم على بحر هائج الأمواج. وثمة أحداث جسام، مرت على العام 2025، بدءاً من هدنة 19 يناير، التي انبلج فجرها بفضل الجهود القطرية والوسطاء، وشهدت تبادلاً محدوداً لتبادل الأسرى، قبل أن تنهار في 17 مارس، بعد 57 يوماً، لم تكن كافية لأهل غزة، لالتقاط الأنفاس ولملمة الأوراق، ومداواة الجراح. وكان لافتاً دخول الأوضاع الفلسطينية، ممراً ضيقاً، مع تضييق هامش المناورة السياسية، في أعقاب «لاءات القاهرة» والقمة العربية في مارس، التي استبقت محاولات تصفية القضية الفلسطينية، بينما سعت إسرائيل لإفشال القمة، على غرار قمة بيروت عام 2002. بعد انهيار التهدئة، استدارت إسرائيل نحو الضفة الغربية فيما عرف بـ «حرب الخيمات» حيث اجتاحت مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس في شمال الضفة الغربية، وتوسعت في اعتداءاتها لتطال مخيمات عقبة جبر والفارعة والفوار وبلاطة وعسكر والعين، مع توالي الاقتحامات لمدن وقرى وبلدات الضفة الغربية، وفي الأثناء عادت المجاعة إلى قطاع غزة بقوة مضاعفة. وسجلت مراكز توزيع المساعدات الإنسانية أعداداً هائلة على مستوى الشهداء والجرحى الفلسطينيين، لدرجة باتت تعرف بـ «مصائد الموت» وتالياً جاءت الحرب الإسرائيلية مع إيران، واستغل الكيان الحرب لإطلاق يد المستوطنين في الضفة الغربية، فاستشهد العشرات في القرى والبلدات الفلسطينية نتيجة لاعتداءاتهم، وطغى مخطط ضم الضفة الغربية على المشهد، وارتكب كيان الاحتلال مجازر وحشية في قطاع غزة، بعيداً عن الإعلام، الذي بدا مشغولاً بالمواجهة الإسرائيلية الإيرانية. وحل سبتمبر، ومعه اشتعلت الدبلوماسية من خلال موجة الاعترافات بدولة فلسطين، وللحد منها منعت واشنطن الرئيس الفلسطيني من حضور اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك، الأمر الذي عدّه مراقبون، مشاركة أمريكية مع إسرائيل لمنع إقامة الدولة الفلسطينية، وإثر ذلك وقعت إسرائيل في عزلة دولية. وفي 9 أكتوبر، نجحت الدبلوماسية القطرية، بالتعاون مع شركاء ورعاة العملية السياسية في وقف الحرب على قطاع غزة، فاستعاد أهل غزة نبضهم لبعض الوقت، لكن التهدئة ظلت هشة بفعل الخروقات الإسرائيلية المستمرة، والتي عرّفها مراقبون بـ «الاسم الحركي للحرب» واستنزفت المزيد من دماء الشهداء. وتقاطعت المعطيات المتقاطعة حول مستقبل قطاع غزة بعد الحرب، فبدأت ملامح تسوية سياسية تتبلور، مع انشغال الولايات المتحدة الأمريكية بإعادة رسم خريطة غزة بعد الحرب، بجهد سياسي قوامه الأساس مجلس السلام، الذي يقودة الرئيس ترامب، في خطوة رأى فيها الفلسطينيون إضعافا لفرصهم في إدارة قطاع غزة ورسم مستقبله. ولم تنته حسابات الربح والخسارة بالنسبة للغزيين، مع توقف هدير الطائرات وأصوات المدافع، فقطاع غزة تحول إلى مكان غير صالح للعيش الآدمي، بعد أن حطمت غزة الرقم القياسي على مستوى سفك الدماء في الشرق الأوسط، من خلال متوالية الحروب والمواجهات المستمرة مع كيان الاحتلال، وفي جردة حساب للعام 2025، بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين 20,574 فلسطينياً، بينهم 2,278 نساء، و4,518 أطفال، و825 من المسنين، بينما بلغ عدد الجرحى 36,140، وسجلت 5,052 حالة اعتقال، وتم هدم 994 منشأة سكنية، وشهدت الضفة الغربية 2,153 اعتداء للمستوطنين. ومع أفول العام 2025، تشتد وطأة الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار الأشبه بالحرب، وما زالت غزة مفتوحة على سيناريوهات صعبة، ركيزتها الأساسية تتمثل في لعبة «الماء والنار» الآخذة في الغليان، ليودع أهل غزة عاما داميا آخر، وصواعقه ما زالت موصولة بأزرار. التفجير.