الفريق العدوان يكتب: كيف يمكن لملك أن يتبادل الحب مع شعبه؟ #عاجل

كتب الفريق ركن متقاعد موسى العدوان - في كتابه "مهنتي كملك"، طرح جلالة الملك حسين -طيب الله ثراه- على نفسه، السؤال الذي يتوج هذه المقالة، ثم أجاب عليه قائلا: "خلال السنين الأولى من ولايتي، احتملت الكثير من المتاعب والمصاعب، في سبيل التقرب من شعبي وفهمه. لقد كنت شابا صغير السن، وكان مستشاريّ راغبين في تنظيم أسلوب حياتي، بعكس ما كنت أبغي وأتمنى. كيف أستطيع أن أكون ملكا صالحا خيّرا مثاليا، إذا كنت لا أعرف رعاياي جيدا. لقد كنت من أجل مقابلتهم والاجتماع بهم في عجلة من أمري، لاسيما الرعايا الذين اتخذوا من البادية مسكنا ومقاما، فحياتهم كانت مختلفة تماما. لقد كنت مَلكَهم، وبالقرب منهم كنت أشعر بأنني لست وحيدا، لأنهم يعتبرونني كأني واحد منهم. ما كنت في نظرهم سوى (الحسين)، بلا مراسم ولا تشريفات، ولكن تقاليد بدوية صميمة، تقوم على ثلاثة مبادئ، هي معاني الشرف، والشجاعة، والضيافة. فرجُل الشرف هو الذي يتمسك بشدة بقوانين الضيافة. فكل ما تملك هو مُلك لضيوفك. وحتى عدوك الذي يبلغ مضارب عشيرتك، يغدو من حقه أن يحصل على الماء والخبز. لقد كانوا أثناء زياراتي لهم، يشرفونني بالرقص والغناء من أجلي. وكلما ورد اسمي في أغنية، كانوا يحيونني بإطلاق الرصاص في الهواء. ثم أجلس فتقدم إليّ القهوة ويرتجل زعيم العشيرة خطبة الترحيب التقليدية، وهذا ما كان يعتبر من مظاهر الأدب. وعندما تُبسط موائد الطعام، ما كان يحق لأي فرد في العشيرة وحتى لزعيمها، أن يتناول الطعام ما دام الضيوف لم يفرغوا من طعامهم. إنني أحب هذه الحياة التي تغاير وقار البلاط، وإنني لأتعاطف تعاطفا شديدا مع حاجات العشائر البدوية. فعلى الرغم من أنها تعيش في العوز والإملاق، فإن على المرء أن يبذل أقصى ما في وسعه، ليتمكن من اكتشاف ما هم في حاجة إليه، لأن كبرياءهم وعزة أنفسهم تمنعانهم من طلب العون. ومن الطبيعي وهم يرونني بينهم، أن يعرض عليّ أفراد العشيرة شكاواهم. ولكن رغباتهم ومطالبهم هي من التواضع والبساطة والقناعة، إلى الحد الذي يجعلني أستجيب لهم حالا. أحدهم بحاجة إلى العمل، وآخر إلى المعالجة الطبية، وهم جميعا يفتقرون إلى المدارس والمستشفيات وإلى تزويدهم بالماء. إنني أحب هذه البساطة التي يتوجهون بها إليّ، فهي تعني أنهم يعتبرونني زعيمهم ورئيسهم وقائدهم. لقد حاولت بنجاح أن أوطن القبائل البدوية، وأن أضع حدا لحياة الارتجال والانتقال التي يحيونها، وهم يبحثون عن الماء والكلأ. وقد قمت من تلقاء نفسي بإعداد وتنفيذ برامج مساعدة ومعونة، تؤمن لهم مساكن عصرية حديثة ومياها جارية طوال السنة، وهذا هو أساسي في بلادنا. هذه الأشهر الأولى من الحكم لم تكن هيّنة ليّنة، فقد كنت أتعلم مهنتي كملك بممارسة العملية شخصيا. من أي وجه يجب أن تؤخذ الأمور، وبأية طريقة تنبغي معالجتها. في الثامنة عشرة من العمر، تنقصك الخبرة عموما، يضاف إلى ذلك أن المرء عندما يكون ملكا، فإن من النادر أن يكون رأي الآخرين فيه موضوعيا. ولكن أحيانا حتى بالنسبة لملك، فإن مصدر التشجيع قد يكون غير متوقع. فقد زرت يوما قرية صغيرة هوجمت من قبل إسرائيل، وأمضيت الليل فيها. كان القمر في قبة السماء، وكنت أقوم بنزهة قصيرة بمعزل عن الآخرين، لأستنشق هواء الليل البارد المنعش، فسمعت أصواتا هامسة تنبعث من خيمة. عندها بلغت مسامعي جملة واضحة، فاستولى عليّ شعور قوي بالاعتزاز والامتنان، عندما قال بدوي لا أعرفه : ( لو كان الملك عبد الله حيا لكان فخورا بحفيده ) ". انتهى الاقتباس. * * * التعليق : كان ذلك هو الحسين الملك الإنسان . . الذي عرفناه قريبا من أبناء شعبه، يزورهم في مواقعهم، في مدنهم وبواديهم وعشائرهم، فيستمع لمطالبهم ويحققها لهم بروح طيبة، ثم يشاركهم أفراحهم، ويواسيهم في أحزانهم. كل ذلك، لأنه أحبهم واحترمهم، فبادلوه الحب بحب وإخلاص صادق، بعيد عن التصنع والتزلف. ومن خلال مسيرة حكم امتدت لما يقارب 47 عاما، صنع الحسين وطنا حظي باحترام العالم، وخلق أسرة أردنية متحابة تضم سكان البوادي وسكان المدن والقرى على جانبي النهر المقدس. فكم من الزعماء على خلاف ذلك فيتعاملون مع شعوبهم بفوقية وتجبر، لا يعطفون عليهم ولا يسمعون أصواتهم، ولا يستجيبون لطلباتهم، بل يعتمدون على مسؤولين غير قادرين على التنفيذ. رحم الله الحسين العظيم وأسكنه فسيح جناته، فهو الذي كان يثير فينا الروح الوطنية، ويحثنا على الإخلاص بالعمل. وكان جلالته حريصا على توحيد وتمتين الجبهة الداخلية، بجميع سكانها من مختلف المنابت والأصول، والاهتمام بالإنسان، رافعا شعاره الشهير : " الإنسان أغلى ما نملك ". وها هو جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله، يسير على خطى والده العظيم. التاريخ : 1 / 1 / 2026 .