في الصباح الباكر حين لا يزال الضوء يتسلل بخجل بين زوايا المدينة تبدأ سوسن يومها المدينة تصحو ببطء أصوات العربات تزداد وصيحات الباعة تنتشر في الهواء هي لا ترى ذلك كله لكنها تعرفه تشعر بحركته تسمع الصخب وتتفادى العقبات تمشي على الطريق المألوف تمسح الأرض بعصاها الخشبية وتستمع إلى صدى خطواتها على الأرصفة كأنها موسيقى تعرف كل نغمة فيها تجمع الخردة تلك القطع المعدنية المبعثرة بحذر شديد تلمسها بأطراف أصابعها تتعرف إلى كل قطعة بشعور مختلف كل حافة وكل ثقل يحكي لها قصته في كل مرة ترفع قطعة حديدية أو صفيحة مصدأة تشعر بأنها تمسك بقطعة من كرامتها أن ما تلمسه هو ليس مجرد معدن بل جهدها عملها استقلالها تقول لنفسها هذه يدي هذا جهدي لا أحد يمكن أن يسلبني إياه كل خطوة تخطوها مليئة بالحذر لكنها واثقة المدينة بالنسبة لها ليست مجرد مكان بل شبكة من الروائح الأصوات والصدى رائحة الخبز الطازج تقترب من أحد الأزقة صوت بائع الفاكهة يعلو من بعيد هدير السيارات يتغير بحسب الزقاق الذي تعبره ونسيم الصباح يحمل رائحة المطر الذي لم يبتل بعد الشوارع كل هذه الإشارات تساعدها على رسم خريطة داخل رأسها خريطة تجعلها حاضرة في كل مكان دون أن ترى ومع كل هذه الحركة هناك صمت عميق في قلبها صمت مليء بالثقة والاعتماد على النفس فهي تعلم أن الانحناء لغير الله ليس خيارا وأن السؤال عن العون يترك أثر في الروح تقول بصوت منخفض أحيانا أنا لا أستجدي أنا أعيش أنا أصنع قوتي بيدي المعدن الذي تجمعه لا يخذلها لا يجرح كرامتها بل يمنحها شعور بالتمكين والاعتزاز وعلى الرغم من هذا العناد هناك لحظات تمر بها سوسن تشعر فيها بالوحدة المدينة صاخبة لكنها لا تسمعها الناس يمرون ولا يلاحظونها لكنها تقاوم شعور العزلة بالإصرار على المشي على جمع الخردة على بناء قوتها اليومي كل قطعة معدنية هي رمز لاستقلالها لكل خطوة على الرصيف معنى وأنا ككاتب أقف متأملا هذا المشهد الإنساني العميق متسائلا كيف لمن يتقاضى راتبه دون أن يؤدي واجبه أن يشعر بالسلام كيف لمن يضيع جهده ويخون الأمانة أن ينام مرتاحا بينما هناك من لا ترى ومع ذلك تعمل بلا كلل كل يوم يمر وسوسن تتحدى الظلام تتحدى ضعف جسدها وتعلمنا درس صعب العجز ليس فقدان البصر بل فقدان الإرادة والضمير سوسن البرناوي ليست مجرد حالة فقر بل مرآة الحقيقة الكرامة لا تمنح العمل مهما كان شاقا يبقى أشرف من أي سؤال يثقل الروح ومن أي شفقة تهدر كرامة الإنسان القوة يمكن أن تسكن أجسادا أنهكتها الحياة لكن الإرادة هي ما يحمي النفس والاحترام يبدأ من الداخل قبل أن يظهر في العالم ومع حلول المساء حين تبدأ أضواء الشوارع بالتلألؤ وتنعكس على الأرصفة الرطبة تلمس سوسن قطعة خردة أخيرة قبل العودة إلى بيتها تشعر بارتياح عميق لأن يومها لم يكن عبئا على أحد لأن قوتها كان من عملها لأن قلبها لا يعرف الاستجداء وأن كرامتها صامدة كما الجبال تنام وهي مطمئنة مستعدة ليوم جديد يوم سيجمع فيه المعدن وربما القليل من السعادة وربما درس جديد لكل من يظن أن الكرامة مجرد كلمة هذه القصة تعلمنا أن الإنسان حين يحترم نفسه يفرض احترامه على العالم كله أنها رسالة لكل من يظن أن العجز هو فقدان القدرة العجز الحقيقي هو فقدان الإرادة وفقدان الضمير وفقدان الكرامة وفي صمت سوسن ونضالها نجد مرآة لنا جميعا مرآة تحثنا على النظر في حياتنا ومحاسبة أنفسنا وفهم أن القيمة الحقيقية تكمن في الجهد الصادق العمل الشريف والاعتماد على النفس .