لم يكن بَرْدُ الجبال، رغم صلافته، مميتاً للأرواح الشغوفة بالحياة، وإنْ عطّل أو أجهض بعضاً من نشاطها، وكانت وسائل التدفئة محدودة، منها التمر إن جادت به يد الكريم المنّان، والحطب المكنوز مُبكّراً؛ احتياطاً، ولبيوت القُرى المصقولة حجارتها من صخور المقلّع، فضل امتصاص هبّات الزمهرير، وتخفيف هجمات ليالي القرير، وإن هطلت الأمطار تُعلَنُ حالةُ الطوارئ، خصوصاً عندما يبدأ القُطّارُ عزف مقطوعاته الموسيقية، على حواف الأواني النحاسية، التي تتلقفه في أحضانها، تلقف الرضيع صدر مُرضعته.وكان أحد رفاق الطفولة، يعاني فوبيا الشتاء، فيشعر بالبرد بمجرد ما يسمع باقتراب موسمه، وإذا قصر النهار وطال الليل، لا نجده إلا مرتجفاً حتى وهو يتشمّس، وحين نسرح نتشرّع في الغدران، ينتبذ مُرتفعاً قصيّاً، ويتابع دون أن يشاركنا، وبدنه يقشعِرّ، وحين يتكلم وهو صرد، لا نتمالك أنفسنا من الضحك، لأن فكيه يتحركان لا إرادياً، ويقبعان في بعضهما، وتصدر الأسنان طقطقة شبيهة بصوت مروحة يحك في طرف رِيَشها عود.وبحكم غياب والده طيلة العام في المدن، ولأنه وحيد أمه، كان أوفر مِنّا حظاً، بما يخصه به أبوه من هدايا وعطايا، ولطالما تمنينا أن نكون إخوته؛ فالأب المكافح إذا عاد يعود معه بأدوات وهدايا، و«حمبص» وحلاوة «حمبصيّة»، وتنكة حلاوة طحينية، لم نعرفها أوّلاً إلا عنده، ولكي نشبع طرعنا بلقمة أو أكثر؛ نعتني بهذا الرفيق، ونتودد إليه؛ ونلبّي ما يطلبه، بما في ذلك مساعدته في حلّ الواجبات المدرسية، والكتابة بدلاً عنه، كون أصابعه تنتفض طيلة الوقت، ولا تنجح محاولات إحكام الأنامل على المرسم.وفي إحدى عودات أبيه الصيفية للقرية، جاء له بـ( كوت)، أطلقنا عليه من باب الغيرة (كوت الأموات)، فالشائع أن الألبسة التي يموت أصحابها يبيعها الورثة في الأسواق، أو يتصدقون بها على نيّته، وعندما اشتكى لأبيه مما نعيّر به كوته قال الأب المتفتح وعيه: قل لهم هذا (كوت هتلر)، الذي هزّ عروشاً بجسارته، وكاد يسيطر على العالم ويحكمه، لولا صقيع جليد روسيا الذي داهم جيشه وفتك بهم.استسمى صاحبنا من حينها هتلر (هتلر جاء، هتلر راح)؛ بسبب كوته الرمادي الواسع عليه، طويل الأكمام، عريض الأكتاف، سمادي الرائحة، الذي يندرج فيه صاحبنا قصير القامة، ضئيل البنيَة، المشهور بكثرة حركة؛ وقِلّة بركة، وعندما يكون محتاجاً لنا نستغله، فنطلب منه يُسلفنا الكوت لدقائق وأحيانا لساعات، وإذا اشتدت به الحاجة نفرض عليه أن يهرّب لنا في جيوب (كوت هتلر) من بيت أمه حلاوة طحينية، وشتفة من قرص الصاج.لم نكن بعد عرفنا (هتلر) الحقيقي بشحمه ولحمه، حتى درسنا عن الحرب العالمية الثانية في الابتدائية، ورسم لنا أستاذنا السوري رسمةً لهتلر على السبورة بطباشير ملونة، وكان مغرماً به، وضحكنا لأن الملامح تتقاطع مع ملامح صاحبنا أبو كوت، واستغرب المدرّس، وقال: «على شو عم تضحكوا هتلر زلمه وقبضاي»، فتحوّل الضحك إلى قهقهة، وثبتت التسمية، على مستوى القرية والمدرسة، وتحديداً عندما تبدأ حصة التاريخ.وعندما شاهدنا في التلفزيون، لأول مرة أفلام (شارلي شابلن) بالأبيض والأسود ظنناه هتلر، ودارت الأزمان، وتفرّق شمل الخِلّان، وبما أن الأسماء تُشقي وتُسعد، أُغرم الرفيق هتلر (أبو كوت) بالتجارب، ولم يرعوي عن عشق المغامرة، ولم ينجح في أي مشروع، ولم يربح من عمل، وهو بطبعه لا يقبل نصيحة، ولا يقنع بالمقسوم، إضافة إلى كونه صليب رأس، ولا يثق إلا برأيه.يبدو أن عوادي الدهر المتغوّلة، قلعت أظافر عزيمته، وخلعت أنياب جسارته، وعندما ضاقت به الحياة عاد لبيت أبويه المهجور، منذ رحيلهما إلى الدار الآخرة، وكنا نقلق عليه من وحشة الوحدة، ولا نطمئن إلا عندما نسمع صوت سعاله منتصف الليل، خصوصاً عندما يحلّ (الربيع) كما يطلقون على الشتاء في ديارنا.عندما افتقدته العمالة الوافدة، التي تجاوره في السكن، فتحوا عليه الباب، وكان مستغرقاً في النوم، متوسّداً تحت رأسه كوت هتلر الذي أصبح على مقاسه، وكانت أطرافه الباردة تؤكد أن الشتاء غدر به وصفّى حسابه معه في نومته تلك، التي لم يفق منها، ولقينا بجواره دفتراً عتيقاً وقلماً، وكان آخر ما كتب: «أشعلتُ في صدر الزمانِ مواقدي، وأموتُ وحدي كالجماد الباردِ».