اختار (عادل) مقعداً في الحديقة المجاورة لمنزله قبل أن يرحل النهار بساعتين، شاهد الأطفال يلعبون كرة القدم، والفرحة ترتسم على وجوههم. صراخ الأطفال ضاعف صداعه، كان يشعر بالصداع والإرهاق، جرّاء قلة النوم.سمع صوتاً يهمس من داخله، يقول له: «لا تقلق، ستمضي بك الأيام إلى حيث ما تريد». (عادل) كان مندهشاً، لا يعرف من أين جاء هذا الصوت، بدأ يفكر في حياته، والأفكار التي تتنازع داخل رأسه حتى بات يهرب من التفكير بها، ويتساءل بكل حيرة وقلق «ما الذي يجعله غير سعيد؟» واصل تساؤلاته «لماذا القلق من مصير المستقبل، وكأنه يريد أن يلتهمه؟».عقب حلول المساء عاد إلى منزله، وهو يجرُّ خطواته المتثاقلة، وأخذ قسطاً من الراحة على أريكة الصالة، ونام من تعب جسده المضني، وأثناء نومه حلم أنه على خشبة المسرح، يعزف على الغيثار. وكان الجمهور يصفق بحرارة، والأشجار تتكاثر من حوله، والأرض تتسع كلما واصل عزفه، شعر بالسعادة عندما لاحظ إنصات الجمهور والتفاعل مع عزفه.استيقظ على صوت أمه، وهي تنهره «عادل قم، واذهب إلى غرفتك، أريد ترتيب الصالة».نهضَ وعزفه في الحلم يصدح في مسمعه. دلفَ إلى غرفته المليئة بالكتب المتناثرة هنا وهناك، والأوراق الممزقة التي كانت يكتب فيها أفكاره، ويتراجع عنها ويمزقها دائماً.. شعر أنه في حاجة لاحتساء كوب من القهوة الساخنة تنفذ إلى دماغه ويصحو من هذا الإعياء الذي يسيطر عليه.فكّر بعمق في الصوت الذي همس له من داخله، وبالحلم اللذيذ الذي سيطر على سماع الجمهور، وحاز على رضاهم. تساءل مطرقاً، ومن عادته كثرة الأسئلة: «ما الذي أراد أن يصل إلى عقلي من خلال رسالتهما؟»، سرح قليلاً وهو يتأمل بعض الطيور التي وقفت فوق أسلاك أعمدة الكهرباء وترفرف بأجنحتها.فجأة من دون سابق إنذار، كأنه أصيب بصعقة كهربائية، دلفتْ إلى عقله أجوبة أسئلته دفعة واحدة، وأن ذلك الهمس وذاك الحلم ما كانا إلا رسالة مبطنة مليئة بالإلهام، ولا بد أن يتوقف فوراً عن كل ما يحبط من عزمه وهمته.مضت الأيام وهو منذ تلك اللحظة يصغي إلى صوته الداخلي وما يقول، وباتت أحلامه جميلة كألوان قوس قزح عندما تُرسم على السماء بعد الغيث المنهمر، دهشة لا نهاية لها.تفاصيل صغيرة، غيّرت مجرى حياته، فكّر فيها بصمت وأصغى لما بداخله من طموح وأحلام، فتغيرت حياته إلى الأفضل، وعرفت روحه أخيراً السبيل الذي يمضي به نحو تحقيق أهدافه.الصوت الهامس المنبعث من داخله، أحدث الأثر العميق في نفسه، وتبدلت أحواله، وهدأت روحه. اختفى الصوت الهامس الذي كان يراوده بين الفينة والأخرى، فهو لم يعد في حاجته بعد أن أمسك بطريق حياته الجديدة المشرقة.