ساهم تيسير أوضاع التمويل، إلى جانب تراجع قوة الدولار الأميركي، في إطلاق موجة واسعة من إصدارات أدوات الدخل الثابت خلال العام الجاري، قادتها بدرجة كبيرة حكومات الأسواق الناشئة. وجاء ارتفاع إصدارات سندات اليوروبوند من قبل الجهات السيادية في الأسواق الناشئة على الرغم من تصاعد النقاشات حول فك الارتباط عن الدولار الأميركي. وعلى صعيد القطاعات، شهدنا ارتفاع حاد في إصدارات أدوات الدين من قبل الشركات غير المالية خلال العام. ووفقاً لمعهد التمويل الدولي (IIF)، بلغت قيمة إصدارات السندات المرتبطة بشركات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة مستوى قياسي جديد هذا العام، متجاوزة 200 مليار دولار أميركي. كما لوحظ اتجاه مماثل لدى شركات التكنولوجيا النظيفة، التي تتركز بصفة رئيسية في الصين. وأظهر تقرير منفصل صادر عن ديلوجيك تسجيل إصدارات قياسية لأدوات الدين من قبل شركات التكنولوجيا العالمية، في ظل المنافسة الشديدة على بناء قدرات الذكاء الاصطناعي، والتي دفعت حتى الشركات ذات السيولة المرتفعة إلى الاقتراض بكثافة لتمويل هذه الاستثمارات. وبلغ إجمالي إصدارات شركات التكنولوجيا 428.3 مليار دولار أميركي حتى الأسبوع الأول من ديسمبر 2025، استحوذت الشركات الأميركية على النصيب الأكبر منها بقيمة 341.8 مليار دولار أميركي، تلتها شركات التكنولوجيا الأوروبية والآسيوية بإصدارات بلغت 49.1 مليار دولار أميركي و33.0 مليار دولار أميركي، على التوالي. ووفق بلومبيرج، وبحوث كامكو إنفست والبنوك المركزية الخليجية، وعلى صعيد البيانات الفصلية، ظلت إصدارات أسواق الدين العالمية عند مستويات مرتفعة خلال الربع الثالث من العام 2025، متجاوزة حاجز 3.0 تريليون دولار أميركي لكل فترة ربع سنوية، ما أسفر عن تسجيل إصدارات قياسية على مستوى العام. ووفقاً للبيانات الصادرة عن مجموعة بورصات لندن، ارتفعت الإصدارات خلال التسعة أشهر الأولى من العام 2025 بنسبة 12 في المائة على أساس سنوي لتبلغ 9.5 تريليون دولار أميركي، مسجلةً أقوى وتيرة إصدارات خلال فترة تسعة أشهر منذ العام 1980 على الأقل. وزادت إصدارات أدوات الدين ذات التصنيف الاستثماري بنسبة 8 في المائة خلال العام لتصل إلى 4.5 تريليون دولار أميركي. وجاءت الشركات المصدرة في الأسواق الناشئة في صدارة أنشطة الإصدارات، مسجلةً نمواً بنسبة 19 في المائة على أساس سنوي خلال التسعة أشهر الأولى من العام 2025، لتبلغ قيمة الإصدارات 349.4 مليار دولار أميركي. وشكل مصدرو أدوات دين الشركات في كل من الهند والسعودية والبرازيل وماليزيا نحو 50 في المائة من إجمالي نشاط الأسواق الناشئة. وفي المقابل، ظل زخم إصدارات السندات الخضراء محدوداً، إذ سجلت نمواً هامشياً بنسبة 1 في المائة مقارنة بالعام الماضي لتصل إلى 393.4 مليار دولار أميركي خلال التسعة أشهر الأولى من العام 2025، مع ارتفاع الأحجام بنسبة 2 في المائة على أساس سنوي. كما تراجعت إصدارات السندات الخضراء خلال الربع الثالث من العام 2025 بنسبة 22 في المائة على أساس ربع سنوي. التضخم والتغيرات أظهرت أحدث بيانات التضخم اتجاهاً نحو التباطؤ، إذ جاء مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة دون التوقعات عند 2.7 في المائة في نوفمبر 2025، مخالفاً جميع التقديرات على الرغم من الحديث المتزايد عن تأثير الرسوم الجمركية. وفي المملكة المتحدة، تراجع التضخم للشهر الثاني على التوالي ليبلغ 3.2 في المائة في نوفمبر 2025 مقابل 3.6 في المائة الشهر السابق، مدفوعاً بصفة رئيسية بتباطؤ ارتفاع أسعار المواد الغذائية. أما في منطقة اليورو، فقد جاء التضخم قريباً من المستوى المستهدف متوسط الأجل البالغ 2.0 في المائة، مسجلاً 2.1 في المائة في نوفمبر 2025، ومستقراً مقارنة بمستواه في أكتوبر 2025. كما استقر التضخم الأساسي في المنطقة عند 2.4 في المائة خلال شهر نوفمبر 2025. وعلى المستوى العالمي. وفيما يتعلق بخفض أسعار الفائدة، أظهرت البنوك المركزية العالمية تبايناً ملحوظاً في مسارات سياساتها النقدية. في حين واصلت كلا من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة خفض أسعار الفائدة دعماً لتباطؤ معدلات النمو، أوقفت كلا من منطقة اليورو وكندا دورات التيسير النقدي، بينما تحركت اليابان في الاتجاه المعاكس عبر رفع أسعار الفائدة. ونفذ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي خفضه الثالث لأسعار الفائدة، بعد أسابيع من التكهنات بشأن احتمالية اتخاذ هذه الخطوة. وأدى خفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى تقليص النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية إلى ما بين 3.50-3.75 في المئة. وفي المقابل، أبقى البنك المركزي الأوروبي على سعر إعادة التمويل الرئيسي دون تغيير عند 2.15 في المائة، وسعر تسهيلات الإيداع عند 2.0 في المائة، مسجلاً بذلك الاجتماع الرابع على التوالي من دون تعديل لأسعار الفائدة، عقب سلسلة من ثماني تخفيضات امتدت بين منتصف العام 2024 ومنتصف العام 2025. آجال استحقاق السندات والصكوك من المتوقع أن تواجه حكومات الدول الخليجية مستويات مرتفعة من أدوات الدين السيادية مستحقة السداد خلال الخمسة أعوام القادمة، خاصة فيما يتعلق بالإصدارات التي تمت في فترة ما بعد الجائحة. ووفقاً للبيانات الصادرة عن وكالة بلومبرج، تبلغ قيمة أدوات الدين السيادية مستحقة السداد في الدول الخليجية نحو 244.8 مليار دولار أميركي خلال السنوات الخمس المقبلة (2026-2030)، بينما تقدر قيمة أدوات الدين مستحقة السداد الصادرة عن الشركات بمعدل أعلى عند 263.3 مليار دولار أميركي. ومن المتوقع أن تظل مستويات استحقاق كلا من السندات والصكوك مرتفعة بين عامي 2026 و2030، قبل أن تبدأ في الانخفاض التدريجي بعد ذلك. ويعكس هذا الارتفاع للديون مستحقة السداد خلال السنوات الخمس المقبلة تزايد الإصدارات لتمويل العجز من قبل حكومات الدول الخليجية، إلى جانب إصدارات الشركات المرتبطة بالاستثمار وإعادة التمويل. وتهيمن الإصدارات المقومة بالدولار الأميركي على هيكل الاستحقاقات بنسبة 64.7 في المائة، تلاها الإصدارات بالعملات المحلية، خاصة الريال السعودي والريال القطري، بنسبة 10.6 في المئة 6.3 في المائة، على التوالي. أما من حيث التصنيف الائتماني، تعد الغالبية العظمى من أدوات الدين من الدرجة الاستثمارية المرتفعة، لا سيما تلك المصنفة ضمن فئة A، بقيمة 208.7 مليار دولار أميركي، بينما يبلغ إجمالي أدوات الدين من الدرجة الاستثمارية 239.1 مليار دولار أميركي. أما من حيث نوعية الأداة، فتهيمن السندات التقليدية على مشهد الاستحقاقات بإجمالي يبلغ 317.6 مليار دولار أميركي خلال السنوات الخمس المقبلة، في حين تسجل استحقاقات الصكوك نحو 190.5 مليار دولار أميركي. وبالنسبة للسندات التقليدية مستحقة السداد، فقد بلغت قيمتها بالنسبة لأدوات الدين الصادرة عن الشركات 173.4 مليار دولار أميركي، متفوقة بذلك على نظيرتها الحكومية والتي بلغت قيمتها 144.2 مليار دولار أميركي. أما في سوق الصكوك، بلغت قيمة الصكوك الحكومية مستحقة السداد 100.6 مليار دولار أميركي، مقابل صكوك الشركات بقيمة بلغت 89.9 مليار دولار أميركي. النصيب الأكبر.. سعودي وعلى مستوى كل دولة على حدة، ما زالت السعودية تستحوذ على النصيب الأكبر من حجم أدوات الدخل الثابت مستحقة السداد على مستوى الدول الخليجية خلال الفترة الممتدة من 2026 إلى 2030، إذ يتوقع أن تبلغ أدوات الدين مستحقة السداد نحو 174.5 مليار دولار أميركي حتى العام 2030، تليها مباشرة الإمارات بأدوات دين مستحقة السداد تقدر بنحو 171.8 مليار دولار أميركي. إلا أن الجزء الأكبر من أدوات الدخل الثابت مستحقة السداد في السعودية يعود إلى سندات وصكوك صادرة عن الحكومة بقيمة 106.4 مليار دولار أميركي، في حين تستحوذ إصدارات الشركات على النصيب الأكبر من الاستحقاقات في الإمارات بقيمة 136.2 مليار دولار. أميركي وجاءت قطر في المرتبة التالية بقيمة أدوات دخل ثابت مستحقة السداد قدرها 85.6 مليار دولار أميركي، بينما استقرت القيمة في كل من الكويت والبحرين وعمان عند نحو 25 مليار دولار أميركي لكل منها خلال السنوات الخمس القادمة. وعلى صعيد القطاعات، بلغت قيمة أدوات الدين مستحقة السداد لقطاع البنوك والخدمات المالية الأخرى نحو 210.4 مليار دولار أميركي خلال السنوات الخمس المقبلة، ما يمثل نحو 79.9 في المائة من إجمالي استحقاقات ديون الشركات، و41.4 في المائة من إجمالي الاستحقاقات في الدول الخليجية حتى العام 2030. وجاء قطاع الطاقة في المرتبة التالية بقيمة 21.8 مليار دولار أميركي، أي ما يعادل 8.3 في المائة من أدوات الدخل الثابت مستحقة السداد على الشركات في الدول الخليجية حتى العام 2030، تلاه قطاعا المرافق العامة والصناعة باستحقاقات بلغت 13.6 مليار دولار أميركي و5.4 مليار دولار أميركي، على التوالي. إصدارات العام 2025 بلغت القيمة الإجمالية لإصدارات السندات والصكوك في الدول الخليجية 206.6 مليار دولار أميركي حتى الأسبوع الثالث من ديسمبر 2025، مقابل 206.8 مليار دولار أميركي العام 2024، مما يعكس عاماً آخر من النشاط القوي في السوق الأولية للسندات والصكوك في المنطقة. إلا أنه على صعيد الجهات المصدرة، سجل تراجع حاد في إصدارات الحكومات خلال العام مقارنة بالعام الماضي، في مقابل وصول إصدارات الشركات إلى مستوى قياسي جديد. إذ بلغت إصدارات الحكومات 77.9 مليار دولار أميركي في العام 2025 مقابل 98.6 مليار دولار أميركي في العام 2024، بينما ارتفعت إصدارات الشركات إلى 128.6 مليار دولار أميركي هذا العام مقابل 108.2 مليار دولار أميركي خلال العام 2024. أما من حيث نوعية الإصدارات، سجلت إصدارات الصكوك في الدول الخليجية انخفاضاً حاداً خلال العام 2025، في حين شهدت إصدارات السندات نمواً ملحوظاً. وبلغ إجمالي إصدارات السندات الخليجية 125.2 مليار دولار أميركي خلال العام 2025، مقابل 106.2 مليار دولار أميركي في العام 2024. في المقابل، تراجعت إصدارات الصكوك بنسبة 19.1 في المائة لتصل إلى 81.4 مليار دولار أميركي، مقابل 100.6 مليار دولار أميركي خلال العام 2024. وعلى مستوى كل دولة على حدة، اتسم اتجاه إصدارات أدوات الدخل الثابت في الدول الخليجية بالتباين، إذ سجلت كل من السعودية وقطر تراجعاً في إجمالي الإصدارات خلال العام 2025، في حين أظهرت بقية دول مجلس التعاون الخليجي نمواً في الإصدارات. إلا أنه على الرغم من ذلك، وحتى مع انخفاض قيمة إصداراتها بنسبة 18.3 في المائة، حافظت السعودية على موقعها كأكبر الجهات المصدرة لأدوات الدخل الثابت في الدول الخليجية وأحد أكبر المصدرين على مستوى العالم، بإجمالي إصدارات بلغ 82.0 مليار دولار أميركي في العام 2025 مقابل 100.3 مليار دولار أميركي في العام 2024. وعلى صعيد هيكل الاستحقاقات، شهدت الأدوات الدائمة نمواً ملحوظاً خلال العام 2025، لتسجل مستوى قياسياً جديداً، بإجمالي إصدارات بلغ 17.9 مليار دولار أميركي مقابل 10.7 مليار دولار أميركي في العام 2024. وحافظت السعودية على موقعها كأكبر جهة مصدرة للأدوات الدائمة خلال العام بإصدارات بلغت 10.6 مليار دولار أميركي، تلتها الإمارات والكويت بإصدارات قدرها 3.3 مليار دولار أميركي و1.9 مليار دولار أميركي، على التوالي. ومن حيث نوعية الأدوات الدائمة، تفوقت الصكوك الدائمة بشكل كبير على السندات خلال العام، إذ بلغت إصداراتها 12.0 مليار دولار أميركي، مقابل 5.9 مليار دولار أميركي لإصدارات السندات الدائمة. ويعزى ارتفاع إصدارات الصكوك الدائمة بصفة رئيسية إلى السعودية، إذ عززت البنوك في المملكة قواعدها الرأسمالية من خلال أدوات الشريحة الأولى الإضافية (AT1). وسجلت إصدارات الأدوات الخضراء في الدول الخليجية نمواً ملحوظاً خلال العام 2025 مقارنة بالعام السابق، وإن ظلت دون المستويات القياسية التي تم تسجيلها في العام 2023. وبلغ إجمالي إصدارات الأدوات الخضراء 12.5 مليار دولار أميركي خلال العام 2025، مقابل 4.6 مليار دولار أميركي في العام 2024 و17.3 مليار دولار أميركي في العام 2023. وتصدرت الإمارات الدول الخليجية في هذا المجال، بإصدارات أدوات خضراء بلغت 5.6 مليار دولار أميركي خلال العام، مقابل 3.8 مليار دولار أميركي في العام 2024. وفي السعودية، بلغت قيمة الإصدارات 5.1 مليار دولار أميركي خلال العام 2025، مقابل عدم تسجيل أي إصدارات في العام 2024.