عام أردني جديد في بيئة اقليمية مأزومة

يدخل العام الجديد علينا نحن في الأردن الحبيب مثقلا بالحروب والأزمات المحيطة بنا اقليميا، علاوة على الأوضاع الدولية التي تعاني من حالة عدم استقرار بنسبة كبيرة جدا. اقليميا، تعيش القضية الفلسطينية مخاضاً صعباً على وقع مآلات وقف اطلاق النار في غزة، والانتهاء من المرحلة الأولى، والتحضر للدخول بالمرحلة الثانية، بكل ما تحمل من إشكالات تتعلق بالسعي لنزع سلاح المقاو مة، في حين تؤكد المقا ومة في كل مرة بعدم قبول ذلك، الأمر الذي يعيد احتمال تجدد الحرب في حال الوصول الى لحظة الانسداد في تطبيق بنود الاتفاق، أما بقية البنود فهي قابلة للتفاهم، وايجاد صيغ مقبولة،سواء ما يتعلق بقوة الاستقرار الدولي، أو الحكومة التنفيذية ، أو حتى مجلس السلام العالمي برئاسة ترامب . الأمور في القدس والضفة ليست بأحسن حال، بالرغم من الهدوء النسبي، ولكن التمدد الاستيطاني قائم، وخطة ضم الضفة واقعيا يتحقق، ورفض إقامة دولة فلسطينية حاضر وبقوة، وانعدام الأفق السياسي هو المسيطر. في سوريا، يبدأ العام الجديد بمؤشرات قوية تدل بوضوح أن ان سوريا الجديدة مقبلة على حالة من عدم الاستقرار، سواء في الجنوب السوري بحكم تمدد الوجود الاسرائيلي، أو بوجود النزعة الانفصالية للدروز ، وكذلك الحال بالنسبة للأكراد في الشمال الشرقي، وعدم المضي قدما في تطبيق الاتفاق الموقع مع الحكومة المركزية في دمشق. علاوة على تحرك طائفي علوي على الساحل السوري، وإحياء نشاط داعش الارهابي، ولا ننسى ان ايران لن تسلّم بسهولة بخروجها نهائيا من سوريا، بعد أن كانت ساحة خلفية لها ولنفوذها. في لبنان ، لازالت الدولة تعاني اقتصاداً منهاراً، مع العجز عن القدرة على إعادة انتاج الدولة المركزية، فهي تصنف من الدول الفاشلة، حيث لا يتوقع أن تكون قادرة على السيطرة الأمنية الكاملة لا على المناطق التي يفترض ان تنسحب منها اسرائيل في الجنوب ، ولا على مستوى حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، لأن مسألة سلاح حزب الله هي مسألة تخضع أساساً للتوازنات الاقليمية والدولية أكثر من كونها شأنا داخليا لبنانيا. في اليمن ، يدخل العام الجديد على وقع غارات سعودية، وصدام حاد بين الحليفين السعودي والاماراتي، لوأد النزعة الانفصالية الجنوبية، علاوة على استمرار سيطرة الحوثي في صنعاء، الأمر الذي يشير الى بُعد إعادة اليمن كدولة واحدة موحدة، ولكنها في ظل الوضع الراهن ينظر لها كساحة لتصفية الحسابات بين القوى الاقليمية المتدافعة، بالذات بين السعودية وايران ، واسرائيل كذلك. في السودان، تستمر المعارك بين قوات الجيش السوداني، وقوات الدعم السريع، ومع رفض الجيش فكرة هدنة مؤقتة، باعتبار ان قوات حميدتي يمثل حالة تمرد على الدولة، يستمر الصراع المسلح دون قدرة أحد الطرفين على الحسم، علما أن كلا الطرفين يحظى بدعم من بعض الدول العربية ذات التأثير بالذات من السعودية ومصر في دعم الجيش السوداني، بمقابل دعم اماراتي للدعم السريع، الأمر الذي يشكل حالة من ضياع البوصلة في ترميم الأمن القومي العربي المهشم. في القرن الأفريقي، ومع بداية العام الجديد ظهرت مسألة انفصال أرض الصومال عن الدولة الأم، ومسارعة اسرائيل بالاعتراف بها، في محاولة لتغيير موازين القوى في حرب السيطرة على المضائق المائية، وتأثيراتها على التجارة الدولية، الأمر الذي شكل مفردة جديدة في الواقع العربي المتشظي والمأزوم. في ليبيا، هناك استمرار للانقسام بين الشرق والغرب، حكومة شرعية في طرابلس، وحكومة أمر واقع في بنغازي بقيادة حفتر . في المغرب العربي، تتجدد حالة التجاذب بين المغرب والجزائر، تتمظهر أكثر ما تكون في مسألة الموقف من قضية الصحراء الغربية. في المحيط الاقليمي، يدخل العام الجديد على وقع موجة احتجاج شعبي جديدة في ايران، وبذات الوقت هناك حالة من عدم الاستقرار في العلاقة مع الغرب وامريكا فيما يخص المشروع النووي والبرنامج الصاروخي، وهذه مسألة تعتبر الأكثر أهمية بالنسبة لاسرائيل، وبعض الدول العربية، وربما تشكل فرصة اسرائيلية لتجدد الحرب على ايران وتحقيق غاياتها التي لم تتحقق في حرب الاثنا عشر يوما السابقة. تركيا كقوة اقليمية يتزايد نفوذها في سوريا الجديدة، واستعدادها للمشاركة في قوة الاستقرار الدولي لازالت تثير هواجس الجانب الاسرائيلي، وبناء عليه فإنها لا تلقى قبولاً لوجودها في غزة. علاوة على استمرار النفوذ التركي في سوريا، و ليبيا، والصومال، واتفاقها العسكري مع قطر، وانفتاحها على السعودية. تركيا اقليميا في وضع مريح، خاصة مع علاقة اردوغان الايجابية مع ترامب والادارة الامريكية. من ينظر في مختلف المشهد الاقليمي، يرى أننا في الاردن نعيش في محيط عربي واقليمي مأزوم بالفعل، ويعاني من حالة من عدم الاستقرار ، وفيها مستوى عالي من الاستقطاب بين مختلف القوى، الأمر الذي يستوجب الحذر في التعامل مع مختلف الملفات، وعدم الاتكاء على طرف بعينه ، نظرا لتقلب الاقليم بشكل سريع، وتبدّل المواقف وفق حسابات المصالح. الحذر لا يعني قدم اتخاذ المواقف التي يستوجب اتخاذها، بالاوقات المناسبة ، ولكنه يعني بناء المواقف في علاقاتنا الخارجية بناء على المصالح العليا للدولة الأردنية، دون تردد أو مجاملة أو مواربة. ويأتي على رأس مصالح الدولة الأردنية ترسيخ حالة الأمن والاستقرار، وعد السماح لأي قوة اقليمية العبث بسلمنا الأهلي، أو لحمتنا الداخلية، تحت أي شعار، وبأي حجة كانت. وقد رأينا قبل أيام تعامل جيشنا العربي، ونسور سلاح الجو الملكي في التعامل مع أوكار تصنيع وتهريب المخدرات على حدودنا الشمالية، وقصف مواقع الارهاب الداعشي في الداخل السوري، وبتنسيق مع النظام السوري، الأمر الذي يرسل برسالة قوية و واضحة بأن الأردن لا يتردد في التحرك لحماية حدوده، و أمنه، و مصالحه. هناك بالفعل تحديات كبرى تنتظر قدرتنا على التعامل معها، وعلى رأسها تحدي التعامل مع الحكومة الاسرائيلية المتطرفة، التي تسعى الى فرض حلول التهجير على حساب الأردن. علاوة على التحدي الجيوسياسي المتعلق بأي جولة حرب ممكنة بين ايران واسرائيل، في حرب ليس للأردن مصلحة في أن يكون طرفاً بها، لا بشكل مباشر ، ولا بشكل غير مباشر. مواجهة التحديات الاقليمية تستوجب حقاً الالتفات لل ضع الداخلي، وصيانة جبهتنا الداخلية، وتعزيز هويتنا الوطنية، وتحصين القلاع، ومد جسور الثقة، واللجوء الى قيادات وطنية من صنف "رجال الدولة " الموثوقين، بدلاً من طبقة الموظفين و"أصحاب المصالح"، المطبلين والمرعوبين. نحتاج للمضي قدما في مشروع التحديث السياسي دون الالتفات الى أصوات التخويف المزعوم، أو التفزيع الموهوم. أما في مجال تحقيق أكبر قدر من التنمية والتحديث الاقتصادي والإداري، فهو استحقاق وطني يتوجب دعمه من جميع أطراف المعادلة السياسية دون تشكيك أو محاولة إعاقة. وعند الحاجة، وفي ظل هذه الأوضاع الاقليمية المتردية فان المحافظة على المنجزات يعتبر انجازاً بحد ذاته. ولكن سعينا الى استخراج ثراواتنا الطبيعية، واستثمارها، باتت مسألة لا تحتمل التأجيل، وترتقي لمنزلة الضرورة الوطنية، في ظل ضعف استقطاب الاستثمار، وشح المعونات من الاشقاء والأصدقاء. وذلك حتى لا نقع في أية لحظة تحت الابتزاز السياسي لمحاولة فرض حلول لأزمات الاقليم على حساب الأردن. في الختام، مع الربع الأخير من العام المنقضي، كتبت مقالاً تحت عنوان ( كيف نحمي الأردن من تقلبات الاقليم؟ ) ، أعتقد أن الاجابة على هذا السؤال الكبير لا تزال أكثر إلحاحاً في ظل واقع الاقليم، وتعقيداته. .