حرب ترامب على فنزويلا: قراءة أولية #عاجل

كتب - زياد ابحيص جاء عدوان القوات الأمريكية على فنزويلا بعد أربعة شهور من حشد أسطول بحري ضخم وقوات جوية مقابلها، وبعد نحو شهر من الحصار البحري، وبعد عمليات قصف للزوارق في المياه الفنزويلية وفي البحر الكاريبي عموماً، أدت لمقتل نحو 100 شخص بزعم مكافحة "إرهاب المخدرات" دون تقديم أي دليل فعلي حول طبيعة الزوارق المستهدفة، ليُعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم عن عملية قصف واسعة شملت اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته. وحرب ترامب الجديدة على فنزويلا تقف وراءها أربعة دوافع: الأول: منع وجود أي نظام معارض لسياساته في النصف الغربي من العالم: إذ كان مبدأ مونرو Monroe Doctrine الذي فرضته الولايات المتحدة في 1823 يمنع أي قوة عظمى من نشر قوات عسكرية في النصف الغربي للعالم في أمريكا الشمالية والجنوبية، باعتباره نطاق الهيمنة الأمريكية المطلقة. يحاول ترامب اليوم أن يطور هذا المبدأ إلى منع وجود أي نظام معارض للتوجهات الأمريكية في النصف الغربي من العالم، وتكريسه كنطاق إذعان مطلق للولايات المتحدة وليس فقط نطاقاً للهيمنة، في أجندة مشابهة لأجندات في الحسم والتصفية في منطقتنا. الثاني: هو هجوم مدفوع بلوبي من المهاجرين من دول لاتينية، لديهم ثأر أيديولوجي مع اليسار في بلدانهم، وعلى رأسهم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ما يجعلها حرب ثأر أيديولوجي في جزء منها. الثالث: هي حرب لفرض نموذج مبدأ "السلام بالقوة" الذي يتبناه ترامب، بفرض "اتفاقات سلام" على مختلف الدول لخوفها من أمريكا وليس لقناعتها بتسوية أي صراع. هذا المبدأ هو شكل جديد لإعادة إنتاج فكرة الهيمنة النيوليبرالية التي تبناها بوش الابن بين 2000-2008، ويتبناها بيت هيجسيث وزير الحرب الأمريكي وقطاع واسع من البيروقراطية الأمريكية التي ما تزال تؤمن بحروب تغيير الأنظمة بالقوة رغم تجارب العراق وأفغانستان. الرابع: الدافع الاقتصادي، باعتبارها محاولة نفعية لأخذ أكبر حصة ممكنة من عوائد النفط الفنزويلي، وهي الدولة التي تملك أحد أكبر احتياطيات العالم من النفط. هذا الهجوم ليس له أساس من القانون الدولي، فهو ليس رداً على عدوان وليس حتى درءاً لخطر مرتقب، ولا يملك تفويضاً لا من الأمم المتحدة ولا من مجلس الأمن ولا حتى من حلف الناتو، هو تحرك أمريكي منفرد خالي من المسببات في عالم تتغير فيه موازين القوى ويتحرك نحو تعددية قطبية تشكل الصين فيها القطب الأقرب بعد أمريكا، وروسيا القطب الأبعد. أما تداعيات هذا العدوان الأمريكي على فنزويلا فهي: أولاً: العنصر الأهم هو رد فعل النظام الفنزويلي، وتماسكه من بعد اختطاف رئيسه، وقدرته على تشكيل جبهة داخلية متينة ومطالبة باستعادة الرئيس والتحرك السياسي لأجل ذلك، أو وجود اختراقات وتصدعات في داخله وتراجع في الموقف يمنح الولايات المتحدة انتصاراً سهلاً ويسمح لها بتمرير واحدة من أسوأ عمليات العدوان على السيادة والبلطجة الدولية. ثانياً: موقف حكومات الجوار، وبالذات كولومبيا وكوبا والبرازيل لأن نجاح ما حصل مع مادورو سيعني أنها معرضة لمثل هذا العدوان في أي لحظة، فهي سترى فيه تهديداً وجودياً. ثالثاً: موقف الصين التي ستحرص أن تكون فنزويلا مستنقعاً، لأنها تشتري معظم النفط الفنزويلي، ولأنها نقطة تشتيت مناسبة جداً تمهد لاستعادة تايوان، كما أن هذا العدوان الأمريكي سيزيد من التقارب الصيني-الروسي ويعززه. رابعاً: هذه حرب لا تحظى بإجماع أمريكي، وهناك معارضة قوية له حتى في أوساط تيار (ماجا MAGA) الذي هو قاعدة الرئيس ترامب، وهذا الهجوم مع بدء حملات الانتخابات النصفية الأمريكية سيوسع مساحة الخلاف الداخلي الأمريكي، لكن هذا يعتمد كثيراً على رد فعل النظام الفنزويلي ومدى تماسكه. باختصار، فتح ترامب نقطة استنزاف وتشتيت جديدة للقوة الأمريكية إلى جانب أوكرانيا وشراكته في الحروب الصهيونية في منطقتنا، ورغم أنه جاء بأولوية التفرغ لمواجهة الصين فقد جعل هذا التفرغ أصعب، ومنح الصين وروسيا فرصاً جديدة لاستنزاف القوة الأمريكية، لكن حجم هذا الاستنزاف ومداه الزمني يعتمد كثيراً على رد الفعل الأولي للنظام الفنزويلي. .