الصراع الأمريكي–الفنزويلي: الموارد الطبيعية في قلب المواجهة الأيديولوجية

لا يمكن فهم الصراع الأمريكي–الفنزويلي بمعزل عن معادلة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الأيديولوجيات السياسية. ففنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، تحولت خلال العقود الأخيرة إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين نموذجين متناقضين: الرأسمالية الليبرالية التي تقودها الولايات المتحدة، والاشتراكية البوليفارية التي تبنتها فنزويلا منذ عهد هوغو تشافيز واستمرت مع خلفائه. منذ وصول تشافيز إلى السلطة عام 1999، أعادت فنزويلا تعريف علاقتها بمواردها الطبيعية، وعلى رأسها النفط، باعتباره ملكًا سياديًا للشعب وأداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، لا مجرد سلعة تخضع لقوانين السوق العالمية. وقد اصطدم هذا التوجه الاشتراكي مباشرة بالمصالح الأمريكية، التي لطالما نظرت إلى أمريكا اللاتينية باعتبارها مجالًا حيويًا لتأمين الطاقة والنفوذ الاقتصادي. في المقابل، تبنّت فنزويلا خطابًا سياسيًا يقوم على مقاومة ما تصفه بـ"الإمبريالية الاقتصادية"، معتبرة أن الصراع ليس مع الولايات المتحدة كدولة، بل مع نظام عالمي يسعى إلى إخضاع الدول الغنية بالموارد لإملاءات السوق والشركات العابرة للحدود. وقد عزز هذا الخطاب توجه كاراكاس نحو بناء تحالفات مع قوى دولية مناهضة للهيمنة الأمريكية، مثل روسيا والصين، في إطار صراع دولي أوسع على الطاقة والنفوذ. الولايات المتحدة، بوصفها أحد أعمدة النظام الرأسمالي العالمي وأكبر مستهلك للطاقة، تنظر إلى السياسات الفنزويلية باعتبارها تهديدًا مزدوجًا: تهديدًا مباشرًا لمصالح شركات النفط الكبرى، وتهديدًا أيديولوجيًا يتمثل في تقديم نموذج اقتصادي بديل يشكك في حتمية الرأسمالية، لذلك لجأت واشنطن إلى أدوات متعددة للضغط على كاراكاس، شملت العقوبات الاقتصادية، والعزلة الدبلوماسية، ودعم قوى معارضة داخلية، الى أن وصل ذلك إلى تدخل عسكري مباشر واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو. لم يبقَ هذا الصراع حبيس الإطار الأيديولوجي النظري، بل انعكس بوضوح على الواقع المعيشي للفنزويليين. فقد أسهمت العقوبات الاقتصادية، إلى جانب مشكلات داخلية مثل سوء الإدارة والفساد، في تعميق الأزمة الاقتصادية والإنسانية، ما يثير تساؤلات جوهرية حول كلفة الصراع الأيديولوجي عندما يتحول إلى صراع على الموارد. وفي هذا السياق، لم يعد مفهوم الصراع الدولي مقتصرًا على المواجهات العسكرية المباشرة، بل بات يتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا ترتبط بالاقتصاد والسياسة والهيمنة على الموارد الطبيعية. وتبرز الثروات الطبيعية اليوم بوصفها أحد أهم محركات التوتر في النظام الدولي، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الجيوسياسية، بما ينعكس على استقرار السلام العالمي. إن ما يجري بين الولايات المتحدة وفنزويلا يمثل نموذجًا مصغرًا لصراع عالمي أوسع: صراع على من يملك الموارد، ومن يحدد كيفية إدارتها، ولصالح من تُستثمر. وهو تذكير بأن الموارد الطبيعية، بدل أن تكون نعمة خالصة، قد تتحول إلى عبء استراتيجي عندما تقع في قلب تنافس دولي حاد بين نماذج اقتصادية متباينة. ورغم تراجع الصراع الأيديولوجي التقليدي بين الرأسمالية والاشتراكية، ما تزال الاختلافات في النماذج الاقتصادية تلقي بظلالها على العلاقات الدولية. فبعض الدول تعتمد دورًا واسعًا للدولة في إدارة الموارد وتوزيع عوائدها، في حين تدفع قوى دولية أخرى باتجاه سياسات السوق المفتوح وتحرير الاقتصاد. وغالبًا ما يتحول هذا التباين إلى مصدر توتر سياسي عندما يتقاطع مع مصالح استراتيجية أو موارد ذات قيمة عالية. في المحصلة، لا يبدو أن الصراع على الموارد يتجه إلى حل قريب، طالما بقي في صلب المعادلة، وطالما استُخدمت الأيديولوجيا غطاءً لصراعات المصالح. ويؤكد هذا الصراع أن التنافس على الثروات والموارد لم يعد مسألة اقتصادية بحتة، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في صياغة العلاقات الدولية ومستقبل السلام العالمي. وتبقى التجربة الفنزويلية مثالًا واضحًا على أهمية اعتماد مقاربات أكثر توازنًا تراعي المصالح الاقتصادية، والاستقرار السياسي، والاعتبارات الإنسانية في آن واحد. ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الدول الغنية بالموارد أن تحمي سيادتها الاقتصادية دون أن تدفع شعوبها ثمن المواجهة مع القوى الكبرى؟ .