كتب زياد فرحان المجالي - في السياسة الدولية، نادرًا ما تقع أحداث تُربك القواعد دفعة واحدة كما فعلت عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مدورو ونقله إلى نيويورك تمهيدًا لمحاكمته. ليست المسألة مجرد خبر أمني أو تطور قضائي عابر، بل اختبارٌ صارخ للفاصل الهشّ بين العدالة والسيادة، وبين القانون الدولي ومنطق القوة، في لحظة قرّر فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يقتحم علنًا ما تسميه واشنطن تاريخيًا "فناءها الخلفي”. العملية—بحسب ما أُعلن—نُفّذت داخل العاصمة كراكاس وانتهت بنقل مدورو وزوجته إلى الولايات المتحدة، حيث وُجّهت إليهما لوائح اتهام ثقيلة تتعلق بـ"ناركو-إرهاب” وتهريب مخدرات وحيازة أسلحة. غير أن الحدث يتجاوز الاتهامات ليطرح سؤالًا أكبر: هل نحن أمام انتصارٍ للعدالة أم أمام عدالة تُفرَض بالقوة؟ وهل يحق لدولة—مهما بلغت قوتها—أن تعبر الحدود وتُسقط رأس دولة أخرى ثم تُحاكمه خارج أرضه باسم القانون؟ رواية واشنطن: ملف جنائي أم سياسة مُعلَنة؟ قدّمت الإدارة الأميركية العملية بوصفها إنفاذًا للقانون ضد شبكة إجرامية عابرة للحدود. فالاتهامات المعلنة ليست جديدة بالكامل؛ إذ سبق لواشنطن أن لاحقت مدورو قضائيًا ورفعت مكافآت مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقاله. الجديد هذه المرة ليس الاتهام، بل الأداة: استخدام القوة العسكرية المباشرة داخل دولة ذات سيادة. بهذا المعنى، تُحوّل واشنطن الخصم السياسي إلى قضية جنائية، وهي مقاربة مألوفة في تاريخ السياسة الأميركية بأميركا اللاتينية. فحين يُختزل النزاع في ملف مخدرات، يصبح تسويق التدخل أسهل داخليًا، وتُختصر التعقيدات السياسية في سردية "حماية المجتمع الأميركي”. لكن هذا التبسيط—مهما بدا جذابًا—يصطدم بواقع أن القانون الدولي لا يمنح تفويضًا مفتوحًا لاختطاف قادة الدول ومحاكمتهم خارج بلدانهم. رواية كراكاس وحلفائها: السيادة أولًا على الطرف المقابل، تصف فنزويلا ما جرى بأنه عدوان مكتمل الأركان وانتهاك صارخ للسيادة. وتذهب الرواية الرسمية إلى أن "المخدرات” ليست سوى ذريعة لتغيير النظام والسيطرة على الموارد، وفي مقدمتها النفط. هذا الطرح يجد صداه لدى حلفاء كراكاس الذين حذّروا من سابقة خطيرة تُشرعن التدخل العسكري بذريعة قضائية. اللافت أن كثيرين—حتى ممن لا يدافعون عن تجربة مدورو السياسية—يتوقفون عند الآلية لا عند الشخص. فإسقاط رئيس بالقوة ثم نقله للمحاكمة خارج بلده يفتح الباب أمام منطق انتقائي: من يُحاكَم بالقوة ومن يُترك؟ ومن يحدد المعايير؟ وهل تتحول "العدالة” إلى أداة في يد الأقوى؟ القانون الدولي: الثغرة التي لا تُخفى هنا تبرز المعضلة الأشد حساسية. فالقانون الدولي—كما استقر بعد الحرب العالمية الثانية—يقوم على مبدأ عدم استخدام القوة واحترام سيادة الدول. صحيح أن هناك استثناءات (الدفاع عن النفس، تفويض مجلس الأمن)، لكن ما جرى في كراكاس لا يندرج بوضوح تحت هذه العناوين. الأخطر أن العملية، وفق ما تسرّب، لم تحظَ بتفويض تشريعي صريح داخل الولايات المتحدة نفسها. وهذا يعيد فتح النقاش الأميركي القديم: هل يملك الرئيس حق شن عمليات عسكرية خارجية منفردًا؟ وإذا كانت الإجابة "نعم” في هذه الحالة، فما الذي يمنع تكرارها في ساحات أخرى؟ "الفناء الخلفي”: عودة منطق الهيمنة منذ عقود، تنظر واشنطن إلى أميركا اللاتينية بوصفها مجالًا حيويًا لأمنها القومي. ومع ترامب، بدا هذا المفهوم يعود بلا مواربة. العملية في فنزويلا حملت رسالة مزدوجة: للخصوم بأن واشنطن مستعدة للتحرك المباشر، وللحلفاء بأن عصر التردد انتهى. لكن هذا الاقتحام لا يأتي بلا كلفة. فحين تُعاد صياغة السياسة الخارجية بمنطق "الحسم”، تُهمَّش الدبلوماسية ويُستبدل التدرج بالصدمة. وقد يحقق ذلك نصرًا تكتيكيًا سريعًا، لكنه يزرع بذور ارتدادات استراتيجية طويلة الأمد. الداخل الفنزويلي: فراغ السلطة أخطر من الاعتقال داخل فنزويلا، السؤال الأكثر إلحاحًا ليس "أين مدورو؟” بل "من يحكم الآن؟”. فالتجارب السابقة تُظهر أن إسقاط رأس النظام لا يعني تلقائيًا استقرار الدولة. نائبة الرئيس طالبت بإثبات حياة، والمعارضة—وفي مقدمتها ماريا كورينا ماتشادو—ترى في اللحظة فرصة لانتقال سياسي. غير أن الأسابيع التالية ستكون حاسمة: هل تتماسك المؤسسة العسكرية أم تنقسم؟ هل يُدار انتقال منظم أم تنفلت الشوارع؟ وهل تتحول البلاد إلى ساحة صراع بالوكالة بين قوى دولية؟ ماذا يريد ترامب فعليًا؟ يمكن قراءة دوافع ترامب على ثلاثة مستويات متداخلة: داخليًا: تقديم صورة الحسم والقوة، وتسويق العملية كضربة لشبكات المخدرات. إقليميًا: إعادة تثبيت النفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية وإرسال رسالة ردع. استراتيجيًا: فتح الباب لإعادة ترتيب علاقة فنزويلا بالأسواق والطاقة والتحالفات الدولية. هذه الأهداف—حتى لو تحققت جزئيًا—تأتي بثمن: تآكل معيار السيادة وتوسيع نطاق "العدالة بالقوة”. الخلاصة: سابقة تُقلق أكثر مما تُطمئن قد تنتهي القصة بمحاكمة في نيويورك وأحكام قضائية، لكن أثرها الأعمق سيبقى في القواعد لا في النتائج. فما جرى في كراكاس ليس مجرد إسقاط رئيس، بل إعادة تعريف لحدود الشرعية الدولية في عالم يميل أكثر فأكثر إلى منطق القوة. في عالم كهذا، قد يصفق البعض لسقوط مدورو، لكن السؤال الذي سيبقى معلّقًا: من التالي؟ وحين تُصبح العدالة مسألة قوة، يفقد القانون جوهره، وتتحول السيادة إلى تفصيل قابل للتجاوز. .