إذا ما قُرئ صعود الرقم القياسي لبورصة عمّان في 2025 بالأدوات التقليدية، فسيبدو كقصة تعافٍ قوية في سوق صغيرة. أما إذا أُعيد تفكيكه وفق مناهج التحليل التي تعتمدها مراكز الأبحاث العالمية، فإننا نكون أمام حالة إعادة تسعير شاملة للمخاطر والأصول، نتجت عن تحوّل متدرّج في الأساسيات وليس عن صدمة سيولة عابرة. وفق منهج تحليل العوامل المتعددة (Multi-Factor Analysis)، يمكن تفسير الارتفاع الذي تجاوز 45% في المؤشر العام – من نحو 2,488 نقطة إلى قرابة 3,611 نقطة – باعتباره نتيجة تزامن ثلاثة مسارات رئيسية: تحسّن في عامل الربحية، انخفاض في علاوة المخاطر، واتساع في قاعدة السيولة. هذه العوامل، عندما تتقاطع في سوق ناشئة ذات رسملة محدودة، تنتج ما تسميه الأدبيات المالية "مرحلة إعادة الاكتشاف” للسوق (Market Rediscovery Phase). من زاوية تحليل السيولة والعمق السوقي، فإن القفزة في متوسط التداول اليومي من نحو 4 ملايين دينار في 2024 إلى أكثر من 11 مليون دينار في النصف الثاني من 2025، أي بزيادة تقارب 175%، لا تعكس مجرد نشاط مضاربي، بل انتقال السوق من حالة "السيولة الهشة” إلى "السيولة الوظيفية”، حيث تصبح التداولات قادرة على امتصاص الأخبار دون تقلبات حادة. هذا النمط هو ذاته الذي ترصده بيوت الخبرة العالمية عند بداية التحولات الهيكلية في الأسواق الصغيرة. أما من منظور إعادة تسعير المخاطر السيادية والقطاعية، فقد أسهم الاستقرار النقدي والمالي في خفض معامل الخصم المستخدم ضمنيًا في تقييم الأسهم. ومع ثبات سعر الصرف، واحتفاظ القطاع المصرفي بنسب كفاية رأس مال تجاوزت 18%، وتراجع المخاوف المرتبطة بالاستقرار المالي، أعاد المستثمر المحلي تسعير الأسهم عند مضاعفات ربحية أعلى، لكنها ما تزال دون متوسطات الأسواق الناشئة الكبرى، ما أبقى عنصر "القيمة” حاضرًا بقوة. ويُظهر تحليل الانتشار القطاعي (Breadth Analysis) أن ارتفاع أسعار أسهم أكثر من 104 شركات مدرجة، أي ما يزيد على نصف السوق، يُعد إشارة جوهرية على أن الصعود لم يكن محصورًا في عدد محدود من الأسهم الثقيلة. تاريخيًا، تُصنف مثل هذه الحركة ضمن الموجات الصاعدة الصحية، لأنها تقلل مخاطر الانعكاس الحاد الناتج عن التركّز. ارتفاع مؤشر الشركات العشرين الكبرى بأكثر من 47%، مقابل ارتفاع المؤشر العام بنسبة تفوق 45%، يؤكد وجود توازن نسبي بين القياديات وبقية السوق. أما الاستثمار الأجنبي، فوفق منهج تحليل التدفقات الذكية (Smart Money Flows)، لم يكن هو المحرك الأولي، بل دخل في مرحلة لاحقة عندما أصبحت الإشارات المحلية أكثر وضوحًا. التدفقات الأجنبية التي استقرت في أسهم مالية وصناعية قيادية اتسمت بطابع مؤسسي طويل الأجل، شبيه باستراتيجيات صناديق الأسواق الناشئة التي تبحث عن أسواق ذات عائد حقيقي مرتفع ومخاطر كلية مضبوطة. هذا النمط يختلف جذريًا عن التدفقات الساخنة، ويُعد عامل استقرار لا عامل تقلب. من زاوية الاقتصاد الكلي، يمكن إدراج أداء بورصة عمّان ضمن ما تسميه مراكز الدراسات بـ "التباعد الإيجابي”، حيث يحقق السوق المالي أداءً يفوق متوسط الأسواق الإقليمية رغم بيئة جيوسياسية مضطربة. هذا التباعد لا يحدث عادة إلا عندما يكون السوق قد استوعب مسبقًا المخاطر، وبدأ يعكس توقعات مستقبلية أكثر من كونه مرآة للحظة الراهنة. وبالانتقال إلى 2026، ومع أن أربعة أيام فقط قد مضت من العام، إلا أن أدوات التوقع المستخدمة عالميًا – خصوصًا تحليل السيناريوهات (Scenario Analysis) – ترجّح ثلاثة مسارات محتملة. السيناريو المرجّح يتمثل في نمو معتدل يتراوح بين 8% و12% للمؤشر العام، مدفوعًا باستمرار الأرباح التشغيلية، وتوزيعات نقدية مستقرة، ومتوسط تداول يومي لا يقل عن 9–10 ملايين دينار. السيناريو المتفائل يفترض تسارع إدراجات نوعية أو توسعًا في الاستثمار المؤسسي، ما قد يرفع النمو إلى حدود 15%. أما السيناريو التحوّطي، فيربط تباطؤ الأداء بعوامل خارجية، دون أن يعيد السوق إلى مستويات ما قبل 2025. وفق معايير التحليل العالمي، فإن التحدي في 2026 لن يكون تحقيق قمم رقمية جديدة، بل الانتقال من "سوق صاعد” إلى "سوق ناضج نسبيًا”، حيث تُقاس الجودة بقدرة السوق على استدامة السيولة، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وتحسين الحوكمة، وربط الأداء المالي للشركات بنمو اقتصادي حقيقي. عند هذه النقطة فقط، يمكن القول إن بورصة عمّان خرجت نهائيًا من دورة التعافي، ودخلت مسارًا هيكليًا طويل الأجل، وهو التحول الذي تسعى إليه الأسواق الناشئة حين تريد أن تُعامل كقصة استثمار، لا كحالة ظرفية. .