أوضح رئيس الجمعية الفلكية بجدة، المهندس ماجد أبوزاهرة، أن سماء شهر يناير 2026 تحمل في طياتها مجموعة مميزة من الظواهر الفلكية التي تجعل منه واحدًا من أفضل أشهر السنة للرصد، خاصة في نصف الكرة الأرضية الشمالي، حيث تطول ساعات الليل وتتحسن ظروف المشاهدة منذ وقت مبكر من المساء.
وبيّن أبوزاهرة أن بداية العام الجديد تأتي رغم أن الحدث الفلكي الأبرز لعام 2026 سيكون كسوف الشمس الكلي في شهر أغسطس، والذي سيُشاهد فوق غرينلاند وآيسلندا وإسبانيا، ولن يكون مرئيًا في السعودية أو العالم العربي، إلا أن ليالي يناير تقدم بدورها عرضًا سماويًا غنيًا ومتنوعًا لعشاق الفلك والرصد البصري.
وأشار إلى أن الرصد الفلكي خلال يناير يمكن أن يبدأ قرابة الساعة الخامسة والنصف مساءً، ومع أن الطقس يكون باردًا، إلا أن صفاء السماء الشتوية وقلة الاضطرابات الجوية يجعلان هذا الشهر مثاليًا لمتابعة الكواكب والكوكبات النجمية والأجرام العميقة.
ومن الظواهر اللافتة خلال الشهر وصول الأرض، في الثالث من يناير 2026، إلى ما يُعرف بالحضيض الشمسي، أي أقرب نقطة لها من الشمس خلال دورتها السنوية، حيث تنخفض المسافة إلى نحو 147 مليون كيلومتر، أي أقل بحوالي 2.5 مليون كيلومتر من متوسط المسافة. وأكد رئيس الجمعية أن هذا القرب لا يعني ارتفاعًا في درجات الحرارة في نصف الكرة الشمالي، بسبب ميل محور الأرض الذي يجعل أشعة الشمس تسقط بزاوية مائلة شتاءً، في حين لا يشهد نصف الكرة الجنوبي أيضًا ارتفاعًا كبيرًا في الحرارة نتيجة الدور التنظيمي للمحيطات.
وأضاف أبوزاهرة أن الشهر يبدأ بضوء قمري ساطع، إذ يكتمل القمر في الثالث من يناير ويُصنَّف كقمر بدر عملاق، لوقوعه بالقرب من الأرض، ما يجعله يبدو أكبر حجمًا وأكثر لمعانًا من المعتاد. وأوضح أن الأقمار العملاقة يمكن أن تعكس ضوءًا إضافيًا يصل إلى نحو 30 في المئة مقارنة بالأقمار البدر الأصغر، الأمر الذي سيؤثر في رصد الأجرام الخافتة خلال النصف الأول من الشهر، قبل أن تعود السماء تدريجيًا إلى ظلامها مع تناقص إضاءة القمر بعد منتصف يناير.
وتتزامن بداية الشهر أيضًا مع زخة شهب الرباعيات، التي تبلغ ذروتها فجر الرابع من يناير، وتُعد من أغزر زخات الشهب السنوية، إذ قد يتجاوز معدلها 20 شهابًا في الساعة في الظروف المثالية بعيدًا عن التلوث الضوئي. إلا أن أبوزاهرة أشار إلى أن ضوء القمر البدر هذا العام سيحد من عدد الشهب المرصودة، مع بقاء فرصة جيدة لمشاهدة الشهب الساطعة من المواقع المظلمة.
وعن الكواكب، أوضح رئيس الجمعية الفلكية بجدة أن سماء المساء في يناير تزينها كوكبان فقط، هما المشتري وزحل، إلا أنهما من أفضل الأهداف للرصد. فالمشتري، عملاق المجموعة الشمسية، يظهر كألمع جرم شبيه بالنجم في السماء، ويقترن اقترانًا قريبًا جدًا مع القمر البدر في الثالث من يناير، ويتكرر اقتران مشابه في الحادي والثلاثين من الشهر.
وفي العاشر من يناير يصل المشتري إلى وضع التقابل، حيث يشرق عند غروب الشمس ويغرب مع شروقها، ويكون في أقرب مسافة له من الأرض خلال عام 2026 بنحو 632 مليون كيلومتر. وباستخدام المنظار أو تلسكوب صغير، يمكن رصد أقمار غاليليو الأربعة بسهولة، إضافة إلى الأحزمة السحابية على قرصه، وقد تُشاهد البقعة الحمراء العظيمة، وهي عاصفة هائلة مستمرة منذ قرون، مع الأخذ في الاعتبار أن ظهورها يعتمد على دوران المشتري السريع حول محوره.
أما كوكب زحل، فرغم خفوت لمعانه مقارنة بالمشتري، إلا أنه يبقى هدفًا رائعًا للرصد بعد الغسق في الأفق الجنوبي. وأوضح أبوزاهرة أن التلسكوب الصغير يكشف بوضوح نظام حلقات زحل، رغم أن زاوية ميلها ما زالت ضيقة نسبيًا من منظور الأرض، لكنها ستتسع تدريجيًا مع تقدم العام، كما يمكن رصد بعض أقماره، وعلى رأسها القمر تيتان، الذي يفوق كوكب عطارد حجمًا. ويتجاور زحل مع القمر في الثاني والعشرين والثالث والعشرين من يناير في مشهد فلكي لافت.
وبيّن أن أفضل مناطق الرصد خلال يناير تكون في السماء الشرقية والجنوبية الشرقية، حيث تهيمن كوكبات الشتاء الشهيرة، وفي مقدمتها كوكبة الجبار (الجوزاء)، التي تُعد من أكثر كوكبات السماء لفتًا للنظر، بنجمها الأزرق اللامع ريجل، والعملاق الأحمر المتغير منكب الجوزاء، وحزامها الشهير المكوَّن من ثلاثة نجوم مصطفة.
وأسفل حزام الجبار يظهر سيف الجبار، حيث يمكن تمييز سديم الجبار كبقعة ضبابية بالعين المجردة، بينما يكشف التلسكوب عن سحابة غازية نشطة تُنتج نجومًا جديدة في إحدى أقرب مناطق التكوّن النجمي إلى الأرض. وترافق الجبار كوكبات شتوية بارزة أخرى، مثل كوكبة الثور بنجمها الأحمر الدبران، وعنقود الثريا النجمي، إضافة إلى كوكبة ممسك الأعنة التي يلمع فيها نجم العيوق.
كما يشرق نجم الشعرى اليمانية، ألمع نجوم السماء على الإطلاق، في الأفق الجنوبي الشرقي، ويمكن تحديد موقعه بسهولة بمد خط وهمي من حزام الجبار. وفي الجهة الغربية لا تزال بعض كوكبات الخريف مرئية، مثل كوكبة الفرس الأعظم التي يتميز جسمها بشكل مربع سماوي واضح، وباستخدام المنظار يمكن رصد مجرة أندروميدا القريبة نسبيًا، التي تبدو كبقعة ضبابية باهتة رغم بعدها بنحو 2.5 مليون سنة ضوئية.
أما في السماء الشمالية، فيظهر الدب الأكبر المعروف بالمغرفة الكبرى، ويتدلى الدب الأصغر، وفي طرفه نجم القطب الشمالي الذي يشير بدقة تقريبية إلى اتجاه الشمال السماوي.
واختتم رئيس الجمعية الفلكية بجدة حديثه بالتأكيد على أن سماء يناير 2026 تقدم مزيجًا رائعًا من الكواكب اللامعة والكوكبات الشتوية والسدم والعناقيد النجمية، ما يجعل هذا الشهر فرصة مثالية لعشاق الرصد والتأمل، مشيرًا إلى أن برودة الطقس لا تقلل من متعة المشهد السماوي، بل تزيده صفاءً وجمالًا لمن يرفع بصره نحو السماء.