ترك برس اعتبر الكاتب والصحفي التركي كمال اوزتورك، أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط، وتصاعد النفوذ الإسرائيلي في عدد من بؤر التوتر، تفرض على السعودية وتركيا ومصر تجاوز خلافاتها وتعزيز التقارب فيما بينها، بوصفه خيارًا إستراتيجيًا لا غنى عنه لحماية مصالحها الإقليمية ومواجهة التحديات المقبلة. وأضاف في مقال له، أنه بات لزاما على كل دولة أن تدرك ذلك. فإذا لم نتجاوز الخصومات، والمنافسات، والأحكام المسبقة التاريخية، فأخشى أننا سنواجه مرحلة تعجز فيها جميع الدول عن تحقيق الطمأنينة. وفيما يلي تتمة المقال الذي نشره موقع "الجزيرة نت": هناك حدثان دفعاني للتفكير بهذا الشكل؛ الأول هو اعتراف إسرائيل بـ"إقليم أرض الصومال الانفصالي" كدولة مستقلة، والثاني هو سيطرة المجلس الانتقالي على حضرموت والمهرة وما تبعها من تطورات، طالب على إثرها رئيس المجلس الرئاسي بخروج القوات الإماراتية، إضافة إلى استهداف الطيران السعودي شحنة أسلحة نقلت عبر باخرة قادمة من الفجيرة. كلاهما تطوران خطيران، ويتطلبان تفكيرا عميقا وجادا. انتباه إلى البحر المتوسط وأفريقيا في الشرق الأوسط، وأفريقيا، والمياه الإقليمية للبحر الأبيض المتوسط، تكمن المشكلة الأساسية في إسرائيل، والدول التي تتحرك معها. في السودان، وفي اليمن، وفي الصومال، فإن التدخلات الإسرائيلية -سواء بشكل مباشر أو عبر وكلاء إقليميين- تشكل خطوات حرجة تثير الاضطرابات وتؤدي إلى نزاعات. ولهذا السبب تحديدا، قررت المملكة العربية السعودية أن تضع حدا لهذا الأمر، وأجبرت الإمارات على الخروج من اليمن باستخدام القوة العسكرية. أما اعتراف إسرائيل بـ"إقليم أرض الصومال الانفصالي"، فلا يشكل تهديدا لمقديشو فقط، بل يشكل خطرا على الرياض، والقاهرة، وصنعاء، ونيروبي، وأنقرة أيضا. ولا ينبغي التقليل من أهمية اتفاقيات التعاون العسكري التي وقعتها إسرائيل مع اليونان وجنوب قبرص من أجل فرض هيمنتها في البحر المتوسط. خلال ست سنوات، أجروا أكثر من 35 تدريبا ومناورة عسكرية، وتم بيع صواريخ وطائرات مسيرة بمليارات الدولارات. إن تشكل حوض متوسط تقوده إسرائيل لا يهدد تركيا وحدها، بل مصر، وليبيا، وتونس، وسوريا، وجميع الدول التي تطل على مياه المتوسط. فالاتفاقيات الخاصة بالمناطق الاقتصادية الخالصة التي قد تبرم بين اليونان، وإسرائيل، وجنوب قبرص، ستقيد بشكل كبير من حرية حركة الدول الأخرى في تلك المياه، وقد تصل الأمور إلى حد منعها حتى من ممارسة الصيد. لماذا نحتاج إلى تحالفات جديدة؟ لنكن صرحاء: بسبب التنافس بين الدول الرئيسية في المنطقة، باتت الدول الأجنبية فاعلة على أراضينا وفي منطقتنا. لقد شنت إسرائيل حتى الآن هجمات على سبع دول، وتمكنت من التحرك بهذه الحرية بسبب هذه النزاعات والانقسامات. وبشكل أكثر صراحة، فإن القوى الكبرى في المنطقة -مثل السعودية، ومصر، وتركيا، وإيران- خسرت كثيرا من قدراتها بسبب انشغالها بملفات أخرى وترك فراغ ملأته إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا. نعم، هناك مشاكل لا تستطيع هذه الدول حلها، لكن على الأقل، يمكن تأجيل الملفات التي يصعب الاتفاق عليها، أليس كذلك؟ إذا ما تم التوصل إلى اتفاق، سيكون بمقدور كل دولة حماية مصالحها بشكل أفضل. فمثلا، لو قامت شراكة بين تركيا ومصر في السودان، وتحالف سعودي-تركي-مصري في الصومال، وإذا ما عادت تركيا، ذات الروابط التاريخية، لتلعب دورا فاعلا في اليمن، ألن يكون ذلك أفضل بكثير؟ وإذا ما دخلت قطر، التي تملك كفاءة عالية في الدبلوماسية والتنظيم، على الخط في هذه المناطق، فهل سنخسر أم نكسب؟ بلا شك، سنكسب. التحالف بين السعودية وتركيا ومصر أصبح ضرورة رغم أن العلاقات بين هذه الدول الثلاث لم تعد بالسوء الذي كانت عليه سابقا، فإنها ليست بالدرجة المرجوة من القوة. فمن المستفيد من هذا التباعد؟ كما رأينا في إقليم أرض الصومال الانفصالي، والسودان، واليمن، فإن كل دولة تتعرض لخسائر جيوسياسية نتيجة أفعال إسرائيل ووكلائها. فلماذا لا يعززون علاقاتهم وتحالفاتهم ما دامت مصالحهم تمس؟ صحيح أن هناك خلافات، أبرزها ما يتعلق بحركة الإخوان المسلمين وحركة حماس. وبصراحة، هناك خوف نفسي لدى بعض الأطراف يتمثل في النظر إلى الدور التركي المتصاعد في المنطقة باعتباره نوعا من "العثمانية الجديدة" التوسعية. وقد غذى نتنياهو هذا الخوف خلال مؤتمره الصحفي المشترك مع اليونان وجنوب قبرص، وكان هدفه إحداث قطيعة بين تركيا ودول المنطقة. لكن من يمتلك عقلا راجحا يعلم أن عودة تركيا إلى أيام الإمبراطورية أمر غير ممكن جغرافيا ولا جيوسياسيا. لقد تعاونت السعودية ومصر مع تركيا في دعم إدارة أحمد الشرع في سوريا، فهل كانت النتائج سلبية؟ كما أن مصر وتركيا اليوم تتبنيان موقفا متقاربا في مسألتي الصومال والسودان، وتركيا بدورها غيرت موقفها في ليبيا لتقترب من الموقف المصري. إذا كانت هذه الخطوات ممكنة، فلماذا لا تطبق في ملفات أخرى؟ إن قضية الإخوان المسلمين وحماس ليست من القضايا التي يستحيل حلها، بشرط وجود نية للاتفاق. مثل هذا التحالف سيؤثر أيضا في الدول الأخرى التي تربطها علاقات وثيقة بهذه الدول الثلاث، وسيطلق طاقات هائلة. وبذلك، ستكسب كل دولة، وسينال شعبها فرصة عيش أكثر رخاء. وأنا على يقين من أن إيران، إذا رأت هذا التحالف قائما، فستتخلى عن سياساتها الخاطئة التي اتبعتها حتى الآن، وتسعى للتعاون والانسجام معه. السنوات القادمة ستكون فصولا من الفوضى يجب ألا ننسى أن إسرائيل لا تريد الاستقرار في هذه المنطقة أبدا، ولذلك لن تقيم تحالفا حقيقيا مع أي دولة إسلامية. الدول التي لا تعاني معها اليوم، لا بد أن تعاني معها غدا. السبيل الوحيد هو أن تتوحد الدول الإسلامية حول الحد الأدنى من القواسم المشتركة، وتتكيف مع الوضع الجيوسياسي الجديد. نحن مضطرون لفعل ذلك، لأن السنوات المقبلة لن تكون سنوات استقرار وسكينة، بل العكس. أوروبا ستضعف أكثر وتخرج من المعادلة. وفي هذا السياق، سيعاد تشكيل تحالف البحر المتوسط. التنافس بين الصين والولايات المتحدة يحمل خطر التحول إلى دوامة قد تبتلع روسيا والهند أيضا. والعاصفة أو الزلزال الذي قد ينجم عن ذلك سيكون بالغ الشدة. أما التحولات الجيوسياسية الفوضوية فستؤثر على الاقتصاد والتجارة تأثيرا خطيرا. وفي مثل هذه الظروف، من الطبيعي أن تتعرض الدول الضعيفة والتابعة في بنيتها لاهتزازات خطيرة. ولهذا، من الضروري أن تعمل الدول القوية في المنطقة على تحصين نفسها لمواجهة الزلازل القادمة في جغرافيتها.