كتب: كمال ميرزا من أفضل التحليلات التي قرأتُها قبل مدّة حول الهجمة الأمريكيّة على فنزويلا، أنّ أمريكا تريد أن تضمن أولاّ النفط الفنزويليّ في جيبها، وذلك قبل الانتقال لشنّ ضربة عسكريّة على إيران قد تقود إلى مواجهة تطول نسبيّاً، وتصعيد يترتب عليه إغلاق مضيق هرمز (وربما باب المندب)، واستهداف منابع وحقول النفط في الخليج، ونقص الامدادات أو انقطاعها تماماً. بل إنّ انقطاع الإمداد في حال تأمين النفط الفنزويليّ سيصبّ في مصلحة أمريكا ويضرّ بخصومها ومنافسيها. قيام أمريكا بالتحرّك العسكريّ الفعليّ ضدّ الرئيس الفنزويليّ "مادورو" بعد أيام قليلة من اجتماع "ترامب" و"نتنياهو" يصب في خانة هذا التحليل. وبالمثل، عودة المظاهرات إلى الشوارع الإيرانيّة بعد هذا اللقاء، وتهديد "ترامب" بالتدخّل في حال تعرّض سلامة وحياة المتظاهرين للخطر (يا حبّة عيني!).. هذا أيضاً يصب في خانة هذا التحليل. المهم،، الطريقة التي قامت بها أمريكا بالتحرّك ضد فنزويلا، ولجوؤها لخيار اختطاف الرئيس الفنزويليّ عبر عمليّة خاصة بدلاً من اغتياله مثلاً.. يستحضر في الذهن عدداً من التداعيات والأسئلة: هل المقصود هو استعراض القوة؟ لجوء قوة كبرى لـ "البلطجة"، ولجوء رئيسها للعب دور "الفتوّة" أو "الأزعر".. هذا فعليّاً مؤشّر ضعف لا مؤشّر قوة، ومؤشّر على انحسار النفوذ والذعر من هذا الانحسار! هل المقصود لفت الأنظار عن المجرم المطلوب رقم واحد في العالم، الكلب المسعور "نتنياهو"، وإيصال رسالة مفادها أنّ المجرم فقط هو الذي تقول أمريكا أنّه مجرم، والمطلوب فقط هو من تقوم أمريكا بجلبه وإحضاره؟ عندما تضرب قوة عظمى بعرض الحائط ما يُسمّى القانون الدوليّ والنظام الدوليّ، فهذا أيضاً مؤشّر ضعف وتراجع وانحسار، باعتبار أنّ هذا النظام الدوليّ قد بُني عندما بُني على أساس ميزان القوى القائم وبما يخدم مصالح الأقوى على حساب الأضعف. هل المقصود توجيه رسالة إلى بقيّة رؤساء العالم من أنّ الدور سيحلّ عليهم تالياً إن اختاروا عصيان مشيئة السيّد الأمريكيّ أو معارضتها أو الاستمرار في معارضتها؟ الضعيف ضعيف بكل الأحوال، والذي يخاف أمريكا يخاف أمريكا بكل الأحوال، والبلدان "الهفتانة" التي تتمحور حول "الشخص" هي هفتانة بكلّ الأحوال.. أمّا الذين لا يخافون أمريكا، ولا يتّخذونها ربّاً يُعبَد ويُحذَر أكثر من الله نفسه، ويمتلكون إرادة حرّة، وحِسّاً ولو بالحدّ الأدنى بالكرامة الوطنيّة والاعتزاز الوطنيّ.. فإنّهم لن يخافوا مثل هذه الحركات بكلّ الأحوال! وربما هناك مَن سيطلقون لخيالهم العنان متأثّرين بأفلام الخيال العلميّ والتطوّر التكنولوجيّ! مثلاً أمريكا حرصت على اختطاف "مادورو" حيّاً لأنّها تريد أن تحوّله إلى "روبوت" تستخدمه في إدارة فنزويلا عن بعد (ألم يقل ترامب أنّ أمريكا ستدير فنزويلا مرحليّاً؟). أو لتزييف الفيديوهات له بالذكاء الاصطناعيّ ونسبتها إليه في محبسه. أو لأنّها تريد مسح دماغه بتقنيّات فائقة سريّة تمتلكها ونسخ كلّ المعلومات والداتا التي يختزنها! بالنسبة لفنزويلا والشعب الفنزويليّ وأحباب فنزويلا فهذا امتحان حقيقيّ: إمّا أنّ فنزويلا دولة حقيقيّة أو لا؟ وإمّا أنّ الثورة البوليفاريّة هي ثورة حقيقيّة أو لا؟ وإمّا أنّ الرئاسة الفنزويليّة هي مؤسسة رئاسة حقيقيّة أو لا؟ وباستثناء ذلك، فلا بواكي لدولة هفتانة أخرى تسقط، ولثورة "جعجعة" و"بعبعة" أخرى تُخمَد، ولرئيس أوحد آخر تُطوى صفحته! بالنسبة لي فما يعنيني ممّا جرى في فنزويلا ثلاثة أشياء: ـ إذا كان الصِدام حاصلاً حاصلاً لا محالة، لماذا يصرّ رافضو الإمبرياليّة والهيمنة المُفتَرَضُون على عدم تعلّم درس السابع من أكتوبر، ودرس "الطوفان"، ولا يحاولون سلب العدو المبادرة، ويتركون له دائماً حريّة تحديد زمان المواجهة وشكلها وبما يناسبه ويخدمه هو؟! ـ لماذا يصرّ المقاوِمون والمناضِلون المفتَرَضُون على عدم تعلّم درس "الطوفان"، ويسمحون للعدو دائماً أن يجعل المواجهة على أرضهم ولا يحاولون أبداً نقلها إلى أرضه، أو كبديل، إعلان كلّ ما يَمُتُّ لهذا العدو وتطاله اليد هدفاً مشروعاً (كما فعل إخوة الصدق اليمنيّون)؟! ـ متى سيقرّ الجميع ويعترفون أنّ السلاح الأقوى بيد العدو ليس القوة الضاربة ولا التكنولوجيا الفائقة ولا الإرادة الغاشمة، سلاحه الأقوى "الخيانة".. أليس هذا درس "الطوفان" ودرس أهالي غزّة الأهم والأبلغ للعالم أجمع وللتاريخ؟! هل كان بالإمكان أسر الرئيس الفنزويليّ بهذه الطريقة لولا أنّ أحداً ما قد أبلغ عنه، أو أرشد إليه، أو أحجم عن حمايته، أو على الأقل تقاعس في ذلك؟! وهل كان بالإمكان أن تُقدِم أمريكا على مثل هذه الخطوة دون أن تحسب حساب خصومها/ حلفاء "مادورو" المُفتَرَضِين؟! هل هناك تفاهمات معيّنة من تحت الطاولة مع "الحليف الروسيّ" تتعلّق بالملف الأوكرانيّ (مشّيلي بمشّيلك)؟! هل هناك تفاهمات معيّنة مع "الحليف الصينيّ"؟! ماذا عن الجِوار اللاتينيّ؟! وإذا لم يكن هناك ترتيبات فأين "فزعة" هؤلاء الحلفاء؟! وهل كان بالإمكان أن تُقِدم أمريكا على مثل هذه الخطوة لولا أنّها تحتفظ لنفسها بذخيرة وافرة من الجواسيس والعملاء والأذناب والقطاريز داخل فنزويلا، من شتّى الأصناف، ومن مختلف المستويات، والجاهزين للخروج من جحورهم عند الطلب؟! البعض يتّخذون مثل هذا الكلام، شيوع الخيانة، ذريعةً لنفاق أنفسهم، والتماس العذر والحُجّة لها: ماذا يمكن أن نفعل؟ وهل باليد حيلة؟ ومَن غير الله قادر على تغيير مثل هذه الحال؟! والإجابة ببساطة: لا تخون.. إذا خان الجميع لا تخون! خيانة الجميع لم ولن تكون يوماً مبرّراً للمرء لكي يخون، حتى ولو كانت خيانته مجرد الصمت، أو وضع رأسه بين الرؤوس، أو التعامل بمنطق "حوالينا ولا فينا"، أو التماهي مع صيغة أكل، شرب، نام، تكاثر.. ومن ثم يسأل الله السلامة وطول العمر! "أخوّة" الإنسانيّة والعدو المشترك يقتضيان التضامن مع "الرفاق" الفنزويليّين.. ولكن في عالم الرأسماليّة ومكاسبها ومكتسباتها الجميل، وعالم اللهاث وراء السلطة ووعودها ومغانمها أو مجرد رضاها الجميل، وعالم الشبع بعد جوع ـ والفجع بعد شبع الجميل.. يبدو أنّه لا خير يُرتجى في أخوّة "خربانة" أو رِفقة "تلفانة" أو سلطة "هفتانة"! .