إعادة الاعتبار للمجلس الصحي العالي: قرار إصلاحي يعيد بناء الحوكمة الصحية في الأردن #عاجل

كتب - اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني في خطوة وطنية بالغة الأهمية تحسب لرئيس الحكومة ولوزير الصحة، اتخذ مجلس الوزراء الأردني أمس قراراً حكيماً بإلغاء قراره السابق المتعلق بالسير في إجراءات إلغاء قانون المجلس الصحي العالي، وإعادة تفعيله وتعزيز دوره بوصفه المرجعية العليا لرسم السياسات الصحية الوطنية. ويأتي هذا القرار في لحظة مفصلية تتطلب إعادة تنظيم المشهد الصحي، وتعزيز الحوكمة، وتوحيد الجهود بين مختلف القطاعات الصحية، بما يضمن كفاءة الأداء وعدالة توزيع الخدمات وجودتها. إن إعادة تفعيل المجلس الصحي العالي جاء في توقيت دقيق يواجه فيه القطاع الصحي تحديات مركبة تتطلب مرجعية وطنية عليا قادرة على التخطيط والتنسيق وصناعة السياسات الصحية الرشيدة. تفعيل المجلس يعكس إدراكاً رسمياً لحاجة النظام الصحي إلى عقل استراتيجي وطني يقود التخطيط الصحي بعيداً عن التجزئة والازدواجية. فالتحديات الصحية المتزايدة، سواء المرتبطة بالأوبئة وزيادة معدلات الأمراض المزمنة، أو التحولات الديموغرافية، أو كلفة الرعاية الصحية، لا يمكن مواجهتها دون جهة عليا تضع الرؤية الوطنية الشاملة وتنسق الأدوار وتضبط الإيقاع بين القطاعات العامة والخاصة والعسكرية والجامعية. تتجلى أهمية هذا القرار أيضاً في ما يحمله من فرص حقيقية لترشيد الإنفاق الصحي وتعظيم كفاءة استخدام الموارد، عبر التخطيط المتكامل وتحديد الأولويات الوطنية بعيداً عن الازدواجية والتشتت. كما أن إعادة تفعيل المجلس تعزز من قدرة الدولة على اتخاذ قرارات صحية مبنية على المعرفة والبينات، لا على ردود الفعل، وعلى الاستباق لا المعالجة اللاحقة. إن إعادة الاعتبار للمجلس الصحي العالي تمثل رسالة واضحة بأن الدولة ماضية في بناء نظام صحي متكامل، عادل، وكفؤ، يضع صحة المواطن في صدارة الأولويات، ويؤسس لمرحلة جديدة من التخطيط الصحي الوطني القائم على التنسيق والحوكمة والاستدامة. غير أن نجاح هذا التوجه الإصلاحي يبقى مشروطاً بعدم الاكتفاء بإعادة التفعيل الشكلي للمجلس، بل بتقويته ومنحه صلاحيات حقيقية وفاعلة. فالمجلس الصحي العالي، بوصفه الجهة الوطنية العليا للسياسات الصحية، يفترض أن يتمتع بصلاحيات رقابية واضحة على أداء القطاعات الصحية كافة، تتيح له تقييم مستوى الالتزام بالسياسات والخطط الوطنية، ورصد مكامن الخلل، وتصويب الانحرافات عند الحاجة. كما أن إلزام جميع القطاعات الصحية بتنفيذ الخطط والاستراتيجيات الصحية الوطنية التي يقرها المجلس يشكل حجر الزاوية في أي إصلاح حقيقي. فلا معنى لخطط وطنية تُعد بعناية ثم تُترك رهناً لاجتهادات متفرقة أو أولويات متناقضة. إن توحيد البوصلة الصحية يتطلب مرجعية ملزمة، لا استشارية، تضمن انسجام السياسات وتكامل البرامج وتحقيق الأهداف الوطنية الكبرى في تحسين صحة المواطن ورفع جودة الخدمات. ويكتمل دور المجلس الصحي العالي حين يُمنح صلاحيات تنظيمية تشمل ترخيص المؤسسات الصحية العامة والخاصة، أو على الأقل الإشراف الأعلى على منظومة الترخيص، بما يضمن توحيد المعايير، ورفع مستوى الجودة، ومنع تضارب المرجعيات. فتنظيم القطاع الصحي لا ينفصل عن التخطيط له، ولا يمكن الفصل بين رسم السياسات وضمان الالتزام بها على أرض الواقع. ولضمان قيام المجلس الصحي العالي بواجباته المشار اليها اعلاه فإنه بحاجة الى دعمه بالكفاءات الإدارية والفنية عالية المستوى وإدارته من قبل فريق مهني متخصص مستقل وليس من قبل مجلس إداري يمثل القطاعات الصحية كما كان معمول به سابقا، التي قد تتضارب مصالحها وتؤثر سلبا على الآداء العام للمجلس. إن قرار مجلس الوزراء بإعادة تفعيل المجلس الصحي العالي يمثل فرصة حقيقية لوضع أسس جديدة لنظام صحي وطني أكثر كفاءة وعدالة واستدامة. وهي فرصة تستوجب استثمارها عبر تمكين المجلس تشريعياً ومؤسسياً، ليكون ليس فقط صانعاً للسياسات، بل حارساً لها، وضامناً لتنفيذها، ومرجعاً وطنياً قادراً على قيادة الإصلاح الصحي بثقة ومسؤولية، بما يليق بالأردن وبحق مواطنيه في رعاية صحية آمنة وعالية الجودة. ختاما، إن الرهان الحقيقي على نجاح هذا القرار يبقى على حسن التنفيذ، وتمكين المجلس من أداء مهامه كاملة دون انتقاص، ليكون فعلاً العقل الاستراتيجي للصحة في الأردن، وضمانة لرفع مستوى الخدمات الصحية في جميع القطاعات، وحماية أحد أهم مكتسبات الدولة الأردنية: صحة الإنسان. .