تفكيك روايات تسليم مادورو بين الاختراق الداخلي وحرب الاستخبارات #عاجل

كتب زياد فرحان المجالي - لم يكن مشهد تسليم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى الولايات المتحدة حدثًا عابرًا في سجل الصراعات الدولية، بل لحظة سياسية وأمنية كثيفة الدلالات، طرحت سؤالًا مركزيًا لا يزال يتردد في كراكاس وخارجها: هل سقط النظام نتيجة خيانة داخلية، أم بفعل عملية استخباراتية معقدة اخترقت قلب القصر؟ الرواية الرسمية الأميركية تحدثت عن "عملية دقيقة” نُفذت بعد تعقّب طويل، فيما اكتفت الحكومة الفنزويلية – في بياناتها الأولى – بالإشارة إلى "تواطؤ داخلي” من دون تسمية أطراف. بين هاتين الروايتين، تتكاثر التسريبات والتحليلات، ويصبح واجب الصحافة التحليلية هو الفصل بين الوقائع المؤكدة والاستنتاجات السياسية. أولًا: ما الذي نعرفه يقينًا؟ بحسب مصادر إعلامية أميركية وغربية متقاطعة، فإن موقع مادورو جرى تحديده عبر سلسلة من الرصد الاستخباراتي طويل الأمد، شاركت فيه أجهزة أميركية، على رأسها وكالة الاستخبارات المركزية، مع دعم تقني ولوجستي من أطراف إقليمية في أميركا اللاتينية. المعطى الثابت هنا أن العملية لم تكن عسكرية تقليدية، بل جرى تنفيذها بأقل قدر من الاشتباك، ما يرجّح فرضية التسهيل الداخلي أو على الأقل التحييد المسبق لدائرة الحماية. ثانيًا: فرضية "الخيانة من الداخل” الفرضية الأكثر تداولًا في الصحافة اللاتينية تقول إن ما جرى لم يكن ليحدث من دون اختراق الحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس. هذه الحلقة تضم عادة: قيادات أمنية رفيعة في الحرس الرئاسي مسؤولين في جهاز الاستخبارات الفنزويلي شخصيات سياسية – عسكرية مرتبطة مباشرة بمكتب الرئاسة مصادر تحليلية في بوينس آيرس وبوغوتا تشير إلى أن الضغوط الاقتصادية والعقوبات الطويلة خلقت حالة تململ داخل النخبة الحاكمة، وأن بعض المسؤولين بدأوا يبحثون عن "مخارج آمنة” قبل سقوط محتمل. غير أن هذه المصادر نفسها تؤكد أن لا دليل علنيًا حتى الآن يثبت تورط اسم محدد بالخيانة، ما يجعل الاتهام في هذه المرحلة سياسيًا أكثر منه قضائيًا. ثالثًا: فرضية "الاختراق الاستخباراتي الكامل” على الضفة المقابلة، يرى محللون أمنيون أميركيون أن الحديث عن خيانة مباشرة يبسّط المشهد أكثر مما ينبغي. وفق هذه القراءة، فإن واشنطن – في عهد دونالد ترامب – استثمرت لسنوات في: اختراق شبكات الاتصالات تتبع تحركات القيادات العليا تجنيد مصادر بشرية من مستويات متوسطة لا تُعد "خيانة سياسية كبرى” وبالتالي، فإن ما جرى هو تراكم استخباراتي بلغ لحظة نضج، وليس انقلابًا من داخل القصر بالمعنى التقليدي. هذا السيناريو يقلّل من فكرة "الخائن الواحد”، ويستبدلها بمفهوم الانكشاف البنيوي للدولة تحت ضغط طويل. رابعًا: دور الدائرة الإقليمية لا يمكن عزل ما حدث عن البيئة الإقليمية. دول الجوار، خصوصًا تلك التي كانت على خصومة مفتوحة مع كراكاس، لعبت دورًا في تسهيل الحركة والمعلومات. لكن حتى هنا، تميّز معظم التقارير بين التسهيل الخارجي والقرار الداخلي، مؤكدة أن أي تعاون إقليمي ما كان ليُجدي دون خلل داخلي سابق. خامسًا: لماذا يتجنب الأميركيون تسمية "الخائن”؟ لافت أن الإدارة الأميركية امتنعت عن الكشف عن تفاصيل دقيقة، مكتفية بوصف العملية بأنها "نجاح أمني”. تفسير ذلك – وفق خبراء قانون دولي – أن تسمية متعاونين قد: تعرّضهم للتصفية تكشف شبكات لا تزال فاعلة تُحرج حلفاء إقليميين الصمت هنا ليس نقصًا في المعلومات، بل سياسة محسوبة. سادسًا: بين الخيانة والسقوط التدريجي السؤال "من خان القصر؟” يفترض أن هناك فعلًا واحدًا حاسمًا. لكن قراءة أعمق تشير إلى احتمال أكثر تعقيدًا: القصر لم يُخن مرة واحدة، بل تُرك وحيدًا تدريجيًا. عندما تتآكل الشرعية الاقتصادية، وتضعف القدرة على الدفع والضبط، ويتحول الولاء إلى عبء، يصبح النظام هشًا أمام أي ضربة دقيقة. في هذه الحالة، لا تكون الخيانة شخصًا، بل مسارًا طويلًا من التفكك. خلاصة تحليلية حتى لحظة كتابة هذا المقال، لا يوجد دليل قاطع يحدد "الخائن” بالاسم. ما نملكه هو مجموعة فرضيات مدعومة بمؤشرات: اختراق استخباراتي أميركي متراكم تململ داخل النخبة الحاكمة تسهيل إقليمي محسوب نظام منهك بالعقوبات والضغوط النتيجة الأهم ليست فقط في سقوط مادورو، بل في الرسالة التي بعثتها العملية: في عالم الاستخبارات الحديثة، لا تسقط القصور دائمًا بالدبابات… أحيانًا تسقط حين يتوقف الجميع عن حمايتها. .