الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال: كسر الإجماع الدولي وتهديد مباشر للأمن القومي العربي #عاجل

كتب - اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني أثار إعلان إسرائيل اعترافها الرسمي بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة ذات سيادة، ثم لقاء وزير خارجيتها جدعون ساعر برئيس الإقليم بعد أيام من القرار، موجة واسعة من التساؤلات والقلق الإقليمي، ليس فقط لأنه كسر إجماعًا دوليًا صمد لأكثر من ثلاثة عقود، بل لأنه يفتح الباب أمام تحولات جيوسياسية عميقة في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على الأمن القومي العربي. تقع أرض الصومال في شمال جمهورية الصومال على الضفة الجنوبية لخليج عدن، وتمتد بساحل يزيد طوله على 850 كيلومترًا مقابل اليمن، وعلى مقربة مباشرة من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية. تبلغ مساحتها نحو 177 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل تقريبًا مساحة دولة مثل اليونان، ويقطنها حوالي 6.2 مليون نسمة. تتمتع أرض الصومال بموارد طبيعية واعدة، تشمل: ثروة حيوانية ضخمة (الأغنام، الإبل، الأبقار) تشكّل العمود الفقري لاقتصادها؛ احتياطات غير مستغلة من النفط والغاز، لا تزال في مراحل الاستكشاف؛ معادن محتملة مثل الذهب وبعض العناصر النادرة؛ وموقع بحري استراتيجي يجعل من ميناء بربرة نقطة جذب للتجارة والنقل والخدمات اللوجستية. هذه المعطيات تفسّر اهتمام دولة الكيان الصهيوني إضافة إلى الاهتمام الدولي المتزايد بهذا الإقليم، وتحوّله من "كيان منسي" إلى ورقة جيوسياسية مطروحة على الطاولة. أرض الصومال كانت حتى وقت قريب كيانًا غير معترف به دوليًا، رغم إعلان انفصالها من جانب واحد عام 1991 عقب انهيار الحكم المركزي في الصومال، وامتلاكها مؤسسات حكم شبه مكتملة واستقرارًا أمنيًا نسبيًا مقارنة ببقية البلاد. وقد تمسّك المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، بموقف يعتبر الإقليم جزءًا لا يتجزأ من جمهورية الصومال، استنادًا إلى مبدأ الحفاظ على الحدود الموروثة عن الاستعمار، خشية فتح الباب أمام موجة تفكك جديدة في إفريقيا. غير أن الاعتراف الإسرائيلي شكّل سابقة خطيرة كسرت هذا الإجماع. ووفق تقرير لوكالة رويترز، نقلًا عن مسؤول في الإقليم ودبلوماسي في المنطقة، فإن دولًا أخرى تستعد للسير على خطى إسرائيل، ما ينذر بتحوّل الاعتراف من خطوة معزولة إلى مسار تراكمي قد يعيد رسم الخريطة السياسية للقرن الإفريقي. ولا يمكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن الحسابات الاستراتيجية الصهيونية. فموقع أرض الصومال القريب من باب المندب يمنح إسرائيل قدرة محتملة على التأثير في أمن الملاحة الدولية، ويعزز حضورها الأمني والاستخباري في البحر الأحمر، ضمن سياق أوسع لتطويق الخصوم الإقليميين وتأمين خطوط التجارة والطاقة. في المقابل، يفضح هذا الاعتراف تناقضًا جوهريًا في الموقف الإسرائيلي، إذ تدعم تل أبيب انفصال كيان إفريقي أحادي الجانب، بينما ترفض الاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، ما يعيد يسلط الضوء من جديد على مسألة ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي. عربيًا، لا تكمن خطورة الاعتراف الإسرائيلي في بعده الإفريقي فحسب، بل في امتداداته الاستراتيجية المباشرة. فالقرن الإفريقي والبحر الأحمر يمثلان العمق الجنوبي للأمن القومي العربي، وأي تموضع إسرائيلي سياسي أو أمني دائم في هذه المنطقة يشكل تهديدًا مباشرًا لمصالح الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها مصر والسعودية والسودان واليمن والأردن. لاقى الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال إدانة عربية ودولية واسعة، واعتبرته جامعة الدول العربية خطوة استفزازية مرفوضة وتعديا سافر على مبدأ وحدة الأراضي وسيادة الدول، ورفضت مفوضية الاتحاد الأفريقي أي خطوة تهدف للاعتراف بأرض الصومال ككيان مستقل، مؤكدة التزامها بوحدة وسيادة الصومال. لكن الموقف العربي المطلوب اليوم يجب أن يتجاوز ردود الفعل اللفظية، نحو تحرك منسق يقوم على: أولًا،الدعم السياسي والقانوني للصومال لتعزيز سيادتها في مواجهة التداعيات الاستراتيجية (بشأن البحر الأحمر ومضيق باب المندب). ثانيًا، التأكيد الواضح على وحدة الأراضي الصومالية ورفض أي اعتراف أحادي يقوّض استقرار المنطقة، وتقديم مشاريع قرارات في المحافل الدولية تدين الخطوة وتؤكد وحدة الصومال، وعقد اجتماعات طارئة. ثالثًا، تفعيل الحضور العربي داخل الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة لمحاصرة الخطوة الإسرائيلية ومنع تحويلها إلى سابقة دولية. رابعاً، بناء شراكات عربية اقتصادية وتنموية وأمنية حقيقية مع دول القرن الإفريقي، لسد الفراغ الذي تستغله القوى الخارجية. خامساً، التأكيد على رفض أي محاولات لربط الاعتراف الإسرائيلي بمخططات تهجير سكان غزة، ودعم حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. ختاما، لا يُعد الاعتراف دولة الكيان الصهيوني بأرض الصومال حدثًا عابرًا، بل مؤشرًا على مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. والتعامل معه كقضية بعيدة عن المجال العربي يشكل خطأً استراتيجيًا فادحًا، لأن ما يجري على الضفة الإفريقية من البحر الأحمر، سرعان ما ينعكس على الضفة العربية منه. .