بعد اختطاف مادورو.. كيف يُعاد رسم الخطاب؟

إبراهيم قاراغول - يني شفق قامت الولايات المتحدة بشنّ غارةٍ ليلية على فنزويلا وخطفت الرئيس نيكولاس مادورو.قُبيل الهجوم، قُطِع التيار الكهربائي عن العاصمة كاراكاس، وقُتل حرس الرئيس، ثم جُرَّ مادورو وزوجته من فراشهما واقتيدَا بعيدًا. هناك نقاط غامضة كثيرة: ماذا كان يفعل الجيش الفنزويلي حينها؟ وإلى أي مدى دعمت قوى المعارضة في الداخل تلك العملية الأميركية، وكيف؟ وما حجم التعاون الذي قدّمته بعض الوحدات العسكرية والقيادات للولايات المتحدة، وبأي صورة؟ الحضارة الغربية قامت على الوحشية والنهب والسرقة! هذه التفاصيل ستتكشف مع الوقت. فالاستيلاء على دولة، والسيطرة على أغنى موارد النفط في العالم، والهيمنة على مناجم الذهب والماس، والاستحواذ على مخزونات الحديد الهائلة وغيرها من الثروات كلّها صور من النهب والسرقة. لقد أُضيف مثال جديد إلى تاريخ الوحشية الذي مارسه الاستعمار الغربي على مدى خمسة قرون. فالحضارة الغربية تأسست على الإبادة، والنهب، والسرقة، والسلب. ولأن القوة ظلت بأيديهم قرونًا، فلم يبقَ على وجه الأرض شعب لم يذق منهم ألمًا أو يسفكوا من دمه. بلطجة صريحة وقرصنة! شهدنا مثالًا صريحًا للبلطجة والقرصنة. قبل الهجوم، كانوا يسرقون ناقلات النفط الفنزويلية. والآن خطفوا رئيس الدولة. وبوقاحة كبيرة أعلنوا وضع أيديهم على البلاد، وبدأوا يناقشون كيف سيمنحون النفط للشركات الأميركية. كبّلوا يديه وقدميه، وعصبوا عينيه، ونقلوه إلى الولايات المتحدة. وكل خطوة صُوِّرت وخُطِّط لها مسبقًا كي تتحول إلى عرضٍ لقوة أميركا. جابوا به شوارع نيويورك ليعرضوه للعيان، وأهانوا دولةً ورئيسها، واحتقروهما علنًا. في الحقيقة الإهانة كانت لنا نحن، وللإنسانية كل الخطايا تستمد قوتها من الصمت! لم تكن الإهانة لمادورو وحده؛ بل لفنزويلا، ولنا، وللإنسانية جمعاء. وكما يسخرون من العالم وهم يرتكبون مجازر غزة ويقتلون الأطفال بشكل ممنهج، فعلوا الأمر نفسه هنا. كل الخطايا والجرائم الكبرى وكوارث البشرية تستمد قوتها من صمت البشر — وهكذا حدث مرة أخرى. ذهب رئيس «الدولة القَبَلية اليهودية» إلى الولايات المتحدة، واجتمع بترامب، ووُضع الهجوم. اثنان من مرتكبي الجرائم يجلسان معًا لمعاقبة رجلٍ اصطفّ ضد إسرائيل، ومع كرامة الإنسان، وإلى جانب الشعب الفلسطيني. الذين ينبغي أن يُحاكموا صاروا هم القضاة، والذين لا ينبغي أن يكون لهم مكان داخل الأسرة الإنسانية صاروا يقرّرون مصائر البشر. بلطجة أوروبية من عصور القرون الوسطى تَتكرّر في القرن الحادي والعشرين. قيامة إسرائيل ولعنة أميركا: ليس استعراض قوة، بل خوف! كان الظلم يشتدّ قبل قيام القيامة. وقبل «قيامة إسرائيل» يتصاعد الظلم إلى السماء، بينما شريكها الولايات المتحدة يتعرّى أمام أعين البشرية ويتعرض للَّعنة. لهذه الفظاظة والهمجية وانعدام الهيبة ثمنٌ لا بد أن يُدفَع. غير أن التاريخ طويل، ولا يتّسع عمر إنسان لكل شيء. ما جرى لم يكن استعراض قوة، بل علامة ضعف. مثل هذه البلطجة القبيحة يلجأ إليها من يفتقرون إلى الثقة بالنفس ويخشون المستقبل. تزايد فظاظة الولايات المتحدة دليل خوف من الغد، وتجاوز إسرائيل لكل الحدود علامة رعبٍ مما سيأتي. ومنذ الإنسان الأول نعلم أن المجتمعات والدول التي تتمادى بهذا الشكل، يُسرَّع محوها من صفحات التاريخ — والإنسانية تُحاسِب عاجلًا أو آجلًا. «الدولة القَبَلية» تنتقم ومن تشيلي إلى كولومبيا: تصفية “المحيط القريب” لن تنجح خطف مادورو لم يكن هدفه نهب الثروة فحسب؛ فهناك ما هو أبعد من السرقة. كل من اتخذ موقفًا ضد إسرائيل و«الدولة القَبَلية اليهودية» يُراد تأديبه وإرهابه. في أمريكا اللاتينية يُعاقَب من يُصنَّفون «يساريين» لأنهم وقفوا ضد الإبادة. ويبدو أنهم سيواصلون ذلك. لا يمكنهم فعل هذا على مستوى العالم كله، لكن في «المحيط القريب» الذي تكثف فيه النفوذ الأميركي يجري حساب بهذا الاتجاه. من تشيلي إلى كولومبيا ستستمر الهجمات على القادة ومحاولات تصفية البُنى السياسية. لكن هذه التصفية لن تنجح؛ بل ستنتج خريطة عدم استقرار طويلة الأمد تُرهق الولايات المتحدة لسنوات. ولن يكون كل شيء «سهلًا» مثل خطف مادورو. فهذه الموجة قد تحوّل «المحيط القريب» لأميركا إلى مساحة اضطراب واسعة، وتدفعها للانكفاء من «العولمة» إلى «الإقليمية» — وقد بدأ ذلك بالفعل. فالعولمة الأميركية الأحادية انتهت. تركيا أيضًا قد تضع يدها على الشطر الرومي! هذا العدوان قد يفجّر موجات كراهية لأميركا حول العالم، ويُطيح بما تبقى من التعاطف معها في القارة الأميركية. والذين يدعمون مثل هذه الأعمال اليوم قد تُلعن أسماؤهم غدًا في مجتمعاتهم. لو توسّعت هذه الممارسات وصارت سابقة، فعديد من الدول سيبدأ تحركات مماثلة. فإذا كنت تخطف القادة وتقول «هذه البلاد ستكون لي»، فالصين وتركيا وروسيا أيضًا ستعتبر نفسها ذات حق في مثل هذه الأفعال. قد تتدخل الصين في تايوان، وقد تضع تركيا يدها على الشطر الرومي من قبرص بحجة أنه يصطف مع إسرائيل ضدها. ستظهر سلسلة من التحركات المتبادلة — وقد يقوم أحدهم غدًا بإزاحة نتنياهو نفسه. لن تبقى أي قواعد على الجميع الاستعداد لهذا العالم! الدول التي لا تزال تراهن على القانون الدولي، والمجتمع الدولي، والمؤسسات العليا العابرة للحدود — ستفوتها لحظة التاريخ. لم يعد هذا كله موجودًا. هناك عالم جديد قائم على القوة وحدها، ويجب أن يفيق الجميع. لسنوات طويلة، ظلّ الساسة والإعلام ومنظمات المجتمع المدني يبيعوننا أوهام «الآليات الدولية» — وكان ذلك محض كذب لتهدئة الشعوب وإبقاء الهيمنة الغربية. من الآن فصاعدًا، وحدها الدول التي تستثمر في القوة، وتبني شراكات إقليمية ومجالات نفوذ مشتركة، لها مستقبل. تركيا ودول المنطقة يجب أن تبني مجالات قوة مشتركة — وبسرعة إنه زمن مخيف للبشرية، لكنه الواقع. وفي قلب الجغرافيا التي تتمركز فيها تركيا، يجب — على وجه السرعة — بناء شراكات إقليمية وحالة استنفار دائم. يجب التصدي لخطط تفتيت المنطقة، وإبطال بؤر الصراع، ومقاومة خرائط التقسيم القادمة من الغرب. وما شهدناه مؤخرًا دليلٌ واضح: اعتراف إسرائيل بأرض «صوماليلاند»، ثم تحرك الإمارات العسكري هناك، ثم دخول السعودية في اليمن ضد قوات تدعمها الإمارات — كل ذلك يكشف امتداد تهديدات ترتبط بتشكيل مجالات القوة الإقليمية. لا بد من كسر محور الإمارات–إسرائيل في كل المنطقة: التدخل في اليمن والسودان والصومال ضرورة سيناريوهات «تفتيت الدول» التي تُدار عبر الإمارات كذراع لإسرائيل خطيرة للغاية، ويجب التدخل العاجل لوقف خرائط التقسيم. إذا تأخرنا، سيُغلق الطريق تمامًا أمام بناء قوة إقليمية. والخطط الحالية تسير نحو هذا الهدف. أشعلوا حربًا أهلية في السودان، ودفعوا هذا البلد الجميل نحو الانقسام عبر «قوات الدعم السريع» المدعومة إماراتيًا وإسرائيليًا. على تركيا والسعودية ومصر زيادة دعمهم للسودان، وبذل كل الجهود لتفكيك هذا المحور المسلح. ويجب أن تدعم السعودية ومصر عسكريًا الجهد الذي تبذله تركيا حاليًا. يطوّقون السعودية ومصر يُدار مشروع إسرائيلي آخر عبر الإمارات في اليمن. إن مضيق باب المندب — بوابة البحر الأحمر إلى المحيط الهندي — يوشك أن يقع في أيدي إسرائيل والإمارات. والجزر قبالة اليمن تم احتلالها. وفي هذه اللحظة تدخلت السعودية عسكريًا ضد الإمارات وحلفائها — وقد أحسنت فعلًا — وإلا لكانت مصر عبر السودان، والسعودية عبر اليمن، قد وُضِعتا في كماشة إماراتية–إسرائيلية. محور الإمارات–إسرائيل يستهدف تركيا أيضًا — في المتوسط وإيجه وعلى تركيا قطع هذه اليد مشروع «صوماليلاند» كذلك مشروع إماراتي–إسرائيلي يهدف للسيطرة على البحر الأحمر. وبعد تطهير اليمن من هذه القوى، يجب قطع يدهم أيضًا في «صوماليلاند». وهذا كله يجعل التقارب بين تركيا والسعودية ومصر وقطر وباكستان وأذربيجان ضرورةً لبناء حزام قوة يمتد من الشرق الأوسط إلى آسيا الوسطى. فالتهديدات التي تشعر بها تركيا في شرق المتوسط وبحر إيجه من المحور نفسه هي ذاتها التي تشعر بها الدول الأخرى. لقد تلاشت القواعد والأعراف والآليات التي تكبح العدوان. للمرة الأولى تصبح عبارة «العالم خرج عن مساره» واقعية إلى هذا الحد. وفي هذا العالم بلا قواعد، لن يتحدث سوى منطق القوة. كثير من الدول لن تستطيع الصمود بمفردها، وستسارع لبناء شراكات جديدة. كانت تركيا تستعد لهذا العالم المخيف منذ سنوات. أدركت ما يجري وبدأت تحضيرات واسعة. وفي هذا السياق تظهر «فرص» لبناء مجالات نفوذ جديدة — ويجري استثمارها بقدر ما تستحق. لقد دخلنا مرحلة حرب عالمية غير مُعَرَّفة. على الدول ذات الإرث الإمبراطوري أن تنهض، وتخطو خطوات جريئة لبناء عالم الغد. الصين وروسيا أيضًا ستبدآن التدخل الولايات المتحدة أطلقت سلسلة تدخلات في أميركا اللاتينية. وروسيا تضغط على أوروبا عبر أوكرانيا. وتوافرت «الظروف» لتدخل الصين في تايوان. وفي منطقتنا، فتح التدخل السعودي في اليمن الباب في مواجهة محور إسرائيل–الإمارات. كما نضجت الظروف لتحرك تركيا وسوريا معًا لحل مسألة قوات تنظيم قسد (واي بي جي) الإرهابي. من الآن فصاعدًا: من يملك القوة سيتدخل حيث يريد، في الموارد والقادة والدول. ومن يشعر بالتهديد سيضرب حيث يشاء. وقد فتح مثال مادورو هذه الأبواب على مصاريعها. لنا الحق في التدخل في الشطر الرومي والجزر وعليه، صار لتركيا — بدورها — حق التدخل في الشطر الرومي من قبرص، والجزر في بحر إيجه؛ لأن هذين الكيانين، مع إسرائيل، يكدسون السلاح عند حدودنا، وهدفهم الوحيد تركيا. ينبغي لتركيا دعم التدخل السعودي في اليمن، والتحرك مع السعودية ومصر وقطر وأذربيجان وباكستان في السودان والصومال لمواجهة محور إسرائيل–الإمارات ومنع تمزيق هذه الدول. إن كانت الولايات المتحدة تريد غرينلاند، فنحن نريد جزرنا. وإذا وضعت الولايات المتحدة يدها على أميركا اللاتينية، فبوسعنا نحن أيضًا التحرك في محيطنا دفاعًا عن حقوقنا التاريخية. وإذا كانت أميركا وروسيا والصين تستحوذ على مناطق — فلْنَرَ نحن على ماذا سنضع أيدينا. والجواب واضح للغاية.