ذكرى رحيل أصلان.. سيد التفاصيل وصانع الصمت الروائي

تمر اليوم 7 يناير (كانون الثاني) ذكرى رحيل الأديب المصري إبراهيم أصلان، الذي يُعدّ من أنقى أصوات السرد العربي الحديث. رغم قلة أعماله النشرية، ترك أثراً عميقاً في الأدب العربي، وجعل من التفاصيل الصغيرة والصمت أدواته السردية المميزة، وفق ما أكده العديد من النقاد. وُلد إبراهيم عبد الله أصلان عام 1935، في مدينة طنطا، قبل أن تنتقل أسرته إلى حي إمبابة بالقاهرة، الحي الشعبي الذي أصبح لاحقاً فضاءه الروائي الأبرز. في أزقته تشكّلت عين الكاتب على البشر العاديين؛ من عمّال وبائعين ونساء مهمشات، وأحلام صغيرة لا تصرخ لكنها لا تموت. وكانت النشأة الشعبية إحدى أهم مفاتيح حساسيته الإنسانية وقدرته على التقاط التفاصيل المنسية. تلقّى أصلان تعليماً متوسطاً ولم ينخرط في المسار الأكاديمي التقليدي للأدب، ما منحه حرية الكتابة خارج القوالب المدرسية. عمل سنوات طويلة موظفاً في هيئة البريد المصري، وهي تجربة تركت أثرها في رؤيته للعالم: الصبر، الرتابة، الانتظار، ومراقبة البشر من خلف زجاج المكاتب. لاحقاً، عمل في المجال الثقافي وشارك في تحرير سلسلة "الكتاب الأول"، التي ساهمت في تقديم أصوات أدبية شابة مهمة. يُعتبر أصلان من الكتّاب القلائل الذين تركوا أثراً عميقاً بأعمال قليلة نسبياً، أبرزها روايته الشهيرة "مالك الحزين" (1983)، التي تحولت إلى فيلم "الكيت كات" للمخرج داود عبد السيد، إلى جانب أعماله: "وردية ليل" و "بحيرة المساء" و"عصافير النيل" و "خلوة الغلبان" و "يوسف والرداء" (قصص قصيرة). معظم أعماله لا تقوم على الحدث الصاخب، بل على تراكم الإحساس وانكسار اللحظة العابرة. لقد شكلت البيئة الشعبية عاملاً محورياً في نتاج أصلان الأدبي؛ إمبابة بالنسبة له لم تكن مجرد مكان، بل روح سردية نفخها في نصوصه وكلماته. كما أثر عمله الوظيفي في منح نصوصه إيقاعاً بطيئاً وتأملياً، مع شخصيات معتادة على الانتظار. ويلاحظ المتابع لتقنياته السردية تأثير السينما، خصوصاً في اللقطة الصامتة والاقتصاد في المشهد، فيما تركت قراءاته للأدب الروسي والفرنسي آثاراً واضحة في أسلوبه دون استنساخ أو افتعال. كان أصلان يميل إلى العزلة الاختيارية، قليل الظهور، ومنحازاً للنص أكثر من الضجيج الثقافي. أما أسلوبه الأدبي، فتميز بالاقتصاد الشديد في اللغة والابتعاد عن البلاغة الزائدة، مستخدماً جملًا قصيرة وصافية، كأنها مكتوبة على مهل. لغته أقرب إلى الهمس منها إلى الخطابة، تعتمد على الإيحاء لا الشرح، ويعتبر الصمت جزءاً من المعنى، حيث لا يفسّر شخصياته بل يتركها تتحرك أمام القارئ في مساحة تشبه اللقطة السينمائية الثابتة. وصفه النقاد بأنه "سيد التفاصيل الصغيرة" و "كاتب الصمت واللاحدث"، واعتبروه أحد أنقى أصوات السرد العربي الحديث، مؤكدين أنه أعاد تعريف الواقعية، ليس بنقل الواقع، بل بالتقاط هشاشته الداخلية. وكان تأثيره واضحاً في أجيال لاحقة من كتّاب القصة والرواية، الذين تعلّموا منه أن القليل قد يكون أعمق من الكثير. نال أصلان العديد من الجوائز، منها: جائزة طه حسين من جامعة المنيا عن رواية "مالك الحزين" عام 1989، جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2003، جائزة كفافيس الدولية عام 2005، جائزة ساويرس في الرواية عن "حكايات من فضل الله عثمان" عام 2006، وجائزة النيل للآداب عام 2012. .