رفقاً أيتها الذكريات

•• أحياناً؛ أحنُّ إلى ذكرى قديمة، فأبحر في مياه زمن يذكرني بأيام عُمر بفصولها المتباينة.. وحين أقرأ في مدافن ذكرياتي أعثر على صفحات لأناس اختلفت واتفقت معهم.. فمنهم من يقطر من قلبه النُبُل، ومنهم من تقطَّعت بيني وبينه السُبُل.. منهم من كان قلبه مرصعاً بياقوت الجمال، ومنهم من أبعدتني عنه أكداس من الرمال.. بعضٌ من هؤلاء مشرقون كالشمس، وبعضهم ليست أيامي كأيامهم.•• هناك «ذكريات» تعيد صاحبها إلى نمط حياة منغلقة، فتولِّد له عقداً نفسية تنشأ منها مشاعر مغلقة ضبابية وكئيبة.. وهناك «ذكرى» مركبة في تكوينها متداخلة في عناصرها، توقع صاحبها في خداع ذهني، فيطارد الشكل ويرفض المضمون.. وبين مقبض «المشاعر المغلقة» وقبضة «الخداع الذهني»، تحضر النفس الأمَّارة المصدِّرة للاغتيال المعنوي.. أولئك النفر من البشر، تفننوا في صناعة الكذِبة ببلاهة، وتصدير الخيبة بسذاجة.•• رفقاً بنا أيتها الذكريات، فمن كانت حياته مكشوفة بتجارب مُرَّة؛ سيظل في رجفة مربكة لا تنتهي به أبداً، وتؤدي به إلى تهلكة منطقة بعيدة، وهؤلاء ستصاحبهم دمعة كبيرة دون توقف، وسترافقهم آلام سنين ضوئية.. أما من يقتنص متعة ذكريات الماضي، ويغتسل ببهجة أمنيات المستقبل؛ فسيطل من غرفة حياة مشمسة، ويتوسدون على وسادة مريحة، ويرقدون على ساحة مشمسة مع ذكرياتهم الجميلة.•• بين زمن وزمن، هناك ابتكار إنساني يصنع الجمال ويرفض القُبح؛ فينحو بصاحبه إلى طريق الصواب.. وبين يوم ويوم؛ تتبدل الأحوال وتختلط الأمور، فيتمنى أحدنا لو أنه استقبل من أمره ما استدبر ليصنع حياته مجدداً.. وبين ساعة وساعة؛ تتغير الهموم والمشاكل والأحزان، فيتبدل العُسُر إلى يُسُر.. مراحل عُمر تجبر خاطر الحزين، وتزيل ألم المحزون.. فلماذا نجعل حياتنا مكاناً يتوقف فيه الزمان؟ النفس بين المشاعر المغلقة والخداع الذهني: هناك ذكريات تعيد صاحبها لحياة مغلقةوهناك ذكرى مركبة توقع في خداع ذهنياقتناص المتعة فاغتسال ببهجة الذكرياتالحياة المكشوفة تؤدي لتهلكة منطقة بعيدة