في السياسة والتحالفات: البحر.. وما أدراك ما البحر!

الجغرافيا تتغيّر ولكن البحر حقيقة ثابتة. هذا ما تراه وأنت تنظر إلى خريطة العالم، متأملاً حدوده، متفحصاً مواقع النفوذ، ومكامن الخطر، باعتبار أن البحار أكثر من مجرد مسطحات مائية، بل هي أحد أعمدة القوة في النظام الدولي، ودليل نفوذ وفاعلية في العلاقات الدولية. الممرات البحرية لم تعد مسألة جغرافيا فقط، وإنما تحوّلت إلى عنصر مركزي في معادلات الأمن القومي، والاقتصاد السياسي، وصناعة النفوذ. ومن هنا ظهر مصطلح «الدول الحبيسة»؛ ليعبّر عن حقيقة سياسية قاسية: الدولة البعيدة عن البحر غالباً ما تكون بعيدة عن التأثير العالمي.وبصفتي باحثاً في العلاقات الدولية، تستوقفني دائماً النظريات التي لا تبقى حبيسة الكتب، بل تجد لها صدى واضحاً على أرض الواقع. ومن أبرز هذه النظريات تلك التي ربطت بين السيطرة على البحر وصعود القوى العظمى. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، وضع ألبرت ثاير ماهان الأساس الفكري للاستراتيجية البحرية الحديثة، حين أكد أن القوة البحرية هي مفتاح التفوق الاقتصادي والعسكري. فالدول القادرة على حماية طرق التجارة البحرية، وتأمين أساطيلها، وفرض حضورها في البحار، هي دول تمتلك أدوات الردع والتأثير.وتكتسب هذه الرؤية أهميتها اليوم في ظل حقيقة أن أكثر من 80% من التجارة العالمية تمر عبر البحر. فالممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز، قناة السويس، ومضيق ملقا تمثل نقاط اختناق حيوية، يمكن لأي اضطراب فيها أن يهز الاقتصاد العالمي. ولذلك، لا تُقاس قوة الدول فقط بحجم جيوشها البرية، بل بقدرتها على تأمين هذه الشرايين البحرية أو تهديدها.إلى جانب التجارة، يمثّل البحر مجالاً حيوياً للأمن القومي. فالدول الساحلية تواجه تحديات متزايدة، من القرصنة إلى تهريب السلاح والهجرة غير النظامية، ما يجعل السيطرة البحرية ضرورة لحماية السيادة الوطنية. كما أن البحار تزخر بالموارد الطبيعية، من النفط والغاز إلى الثروة السمكية والمعادن النادرة، وهو ما يفسر تصاعد الصراعات حول الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة.في هذا السياق، قدّم نيكولاس سبايكمان رؤية جيوسياسية أكثر ارتباطاً بالواقع المعاصر، من خلال نظريته حول «الهلال الخارجي» أو Rimland. فعلى خلاف ماكيندر الذي ركّز على قلب اليابسة، رأى سبايكمان أن السيطرة على المناطق الساحلية المطلة على البحار هي مفتاح الهيمنة العالمية. هذه المناطق تجمع بين الكثافة السكانية، والموارد الاقتصادية، والوصول إلى الممرات البحرية، ما يجعلها مركز الثقل الحقيقي في السياسة الدولية.ولعل تطبيقات هذه النظرية تتجلى بوضوح في الاستراتيجيات الأمريكية، سواء خلال الحرب الباردة أو بعدها، حيث شكّلت التحالفات البحرية، وحماية الممرات الدولية، وانتشار الأساطيل، أدوات رئيسية لإدارة التوازنات العالمية.وهذا يعني أن البحر ليس مجرد خلفية جغرافية للصراع الدولي، بل هو أحد ميادينه الأساسية. ومن يسيطر على البحر، يملك مفاتيح التجارة، والأمن، والتحالفات، وبالتالي يقترب أكثر من فهم كيف يُحكم العالم.