قراءة في خطة الاقتراض للعام 2026

تشهد المالية العامة في المملكة العربية السعودية مرحلة لافتة من التطوّر، من حيث طريقة إدارة الموارد والالتزامات المالية بما يتناسب مع طبيعة التحوّل الاقتصادي الجاري. فالمملكة اليوم لا تنظر إلى الدَيْن العام باعتباره ظرفاً استثنائياً، بقدر ما تتعامل معه كإحدى الأدوات المالية التي يمكن توظيفها لدعم التنمية ضمن إطار مدروس ومتوازن.تشير الأرقام إلى أن حجم الدَيْن العام بلغ بنهاية عام 2025 نحو 1.52 تريليون ريال، أي ما يعادل قرابة 33% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة لا تزال ضمن الحدود الآمنة المعتمدة مالياً، وأقل من متوسطات كثير من الاقتصادات الكبرى. ويلاحظ كذلك أن الدَيْن المحلي يشكّل نحو 62% من الإجمالي مقابل 38% للدَيْن الدولي، فيما تمثّل العوائد الثابتة النسبة الأكبر من هيكل المحفظة.أما على مستوى الميزانية، فتشير تقديرات عام 2026 إلى تسجيل عجز يقارب 165 مليار ريال، إضافة إلى استحقاقات أصل دين بنحو 52 مليار ريال، ليصل إجمالي الاحتياج التمويلي المتوقع إلى حوالى 217 مليار ريال.هذه المعطيات لا تعكس مجرد توسع في حجم الدَيْن، بقدر ما تشير إلى تبني نهج مالي أكثر مرونة، يقوم على تحقيق توازن صعب بين تمويل مشاريع التحول الاقتصادي والمحافظة على متانة المركز المالي للدولة. المملكة تنتقل تدريجياً إلى نموذج مالي حديث يعتمد على تنويع مصادر التمويل وإدارة المخاطر بصورة مؤسسية، في وقت لا تزال فيه مستويات الدَيْن تحت السيطرة.اللافت في التجربة السعودية أن إدارة الدَيْن العام أصبحت جزءاً من رؤية أشمل لتطوير أسواق الدَيْن المحلية وتعزيز ثقة المستثمرين، مع توزيع مدروس لآجال الاستحقاق وتقليل مخاطر التمويل. كما أن عمليات إعادة الشراء المبكر لجزء من أدوات الدَيْن خلال عام 2025 تعطي إشارة واضحة على تبني نهج استباقي في إدارة الالتزامات الحكومية.في المقابل، لا يمكن تجاهل أن تنفيذ المشاريع التحولية الكبرى يحتاج إلى درجة أعلى من المرونة في إدارة المالية العامة، وهو ما يجري التعامل معه بروح واقعية تأخذ في الحسبان تقلبات أسعار الفائدة والنفط وتغيرات الاقتصاد العالمي. وتبقى قوة المركز المالي للمملكة، والتصنيف الائتماني المرتفع، ووجود احتياطيات داعمة، عوامل رئيسية في تعزيز الاطمئنان تجاه الاستدامة المالية.صحيح أن ارتفاع مستويات الدَيْن العام أصبح سمة عالمية، إلا أن جوهر التحدي لا يكمن في الرقم ذاته، بل في كيفية استخدام الدَيْن. فالدَيْن الذي يذهب إلى استثمارات منتجة تعزز النمو غير النفطي وتوسع قاعدة الاقتصاد، يبقى أداة تنموية لا عبئاً مالياً، وهذا هو الاتجاه الذي تظهره السياسات الاقتصادية في المملكة خلال المرحلة الحالية.على المدى المتوسط، فإن متابعة تطوّرات النشاط الاقتصادي واتساع قاعدة القطاعات غير النفطية ستظل عاملاً حاسماً في تقييم تجربة إدارة الدَيْن العام، ومدى قدرتها على دعم مسار التنمية دون الإخلال بالتوازن المالي. وربما يمكن القول إن ما يميّز التجربة السعودية اليوم هو ذلك المزيج بين الانضباط المالي من جهة، والطموح التنموي من جهة أخرى، وهو توازن ليس سهلاً، لكنه ضروري لبناء اقتصاد متنوع وأكثر قدرة على مواجهة متغيّرات المستقبل.