بدون الذاكرة.. يولد الحب أعمى ويشيخ المكان..!

يقول محمود درويش: «بدون الذاكرة لا توجد علاقة حقيقية مع المكانأعانقُ فيك الذينَ أحبُّوا ولم يفصِحوا بعدُ عن حُبّهم أعانقُ فيكَ تفاصيلَ عمرٍ توقّفَ في لحظةٍ لا تشيخْ قوي هو الحب كالموت ! ولكن شهوتنا للحياة ولو خذلتنا أقوى. هُنَالكَ حُبٌّ فقيرٌ يُطيلُ التأَمُّلَ في العابرين، ويختار سأبقى أحبك راحلاً إليك، إن كان في الماء فلا أخشى الغرق وإن كان في اليابسة فلا أهاب سيوف الطريق. فبعضي لديّ وبعضي لديك.. وبعضي مُشتاق لبعضي.. فهلّا أتيت؟ سأعيد ترتيب المساء بما يليق بخيبتي وغيابها والقلب مهجور كبئر جف فيه الماء كم يكون الليل كئيباً حين تفتقد شيئاً تعودته. في آخر الأشياء ندرك أننا نحب لكي نحب وننكسر. أنت لست لي... ولكني أحبك.. ومازلت أحبك... وحنيني إليك يقتلني، وكرامتي تمنعني، وكل شيء يحول بيني وبينك».نص قاسٍ، شذرات عاطفية متناثرة، بيان وجودي مكتوب بلغة القلب المتعب، يختبر فيه درويش معنى الذاكرة بوصفها الشرط الخفي لكل علاقة صادقة بالحب، وبالذات، وبالمكان، وبالزمان.الذاكرة هنا ليست خزّان صور، بل روح ثانية تمنح الأشياء معناها، وتمنح الغياب وزنه، وتجعل الحضور امتحاناً أخلاقياً لا مجرد لحظة لذة.درويش يبدأ من المكان؛ لأن المكان بلا ذاكرة يتحوّل إلى مساحة محايدة، أشبه بفندق عابر. لا يمكن للإنسان أن يحب أرضاً لا يتذكرها، ولا أن يسكن مدينة لم تجرحه أو تفرحه.الذاكرة تصنع الألفة، والألفة وحدها تصنع الانتماء.لذلك فإن فقدان الذاكرة ليس نسياناً بسيطاً، بل اقتلاع ناعم للعلاقة من جذورها.ينقلنا درويش إلى الحب الذي لم يُفصح عنه أصحابه ذلك الحب المؤجل، المكبوت، الذي يظل يعيش في منطقة الظل.هنا يصبح الحب فعل شجاعة قبل أن يكون عاطفة، ويغدو الصمت نوعاً من الهزيمة الجميلة.تفاصيل العمر التي توقفت في لحظة لا تشيخ، تكشف فهماً عميقاً للزمن النفسي.الزمن لا يقاس بالعقارب، بل بالندوب. لحظة واحدة قد تجمّد العمر كله، وقد يعيش الإنسان بقية حياته داخلها، يعيد ترتيب المساء، لا ليصلح الخيبة، بل ليمنحها كرامة شكلٍ يليق بها.وعندما يستدعي المقولة القديمة: «قوي هو الحب كالموت»، لا يقبلها كما هي، بل يعارضها بشهوة الحياة.الحياة عنده ليست نقيض الحب، بل طاقته الأعنف.الحب قد يميت، أما الرغبة في الاستمرار فتقاوم حتى الخذلان.هنا تتجلى فلسفة درويش لا بطولة في الموت، البطولة في النجاة مع القلب مثقوباً.الحب الفقير الذي يطيل التأمل في العابرين ليس حباً معدماً، بل حب بلا امتيازات. لا يملك اليقين، ولا يملك الوعد، لكنه يملك الاختيار. اختيار المحبوب وسط الزحام فعل وعي، لا صدفة عاطفية.كأنه يقول إن الفقر الحقيقي ليس قلة المشاعر، بل غياب القدرة على التمييز.الرحيل إلى المحبوب، لا عنه، يكشف مفارقة جميلة المسافة قد تكون شكلاً من أشكال القرب.الاستعداد للغرق أو لمواجهة سيوف الطريق ليس تهوراً، بل إيمان بأن الخوف لا يمنح النجاة.الحب الذي يُقاس بسلامته حب هش، أما الحب الذي يقبل المخاطرة فيستحق اسمه.الانقسام الداخلي بعضي لديّ وبعضي لديك، يلخص مأساة العاشق الناضج. لم يعد كاملاً، ولم يعد مستعداً لأن يكون نصفاً ذليلاً. الاشتياق إلى الذات الموزعة هو جوهر السؤال الأخير: (فهلّا أتيت؟)ليس نداء استجداء، بل محاولة ترميم القلب المهجور كبئر جف ماؤه. الجفاف لا يعني عدم القدرة على العطاء، بل غياب من يستحق السقيا.والليل الكئيب ليس بسبب الظلام، بل بسبب فقدان ما كان يمنح العتمة معناهايصل درويش إلى ذروة التناقض الإنساني أحبك، لكنك لست لي، الحنين يقتل، والكرامة تمنع.تلك ليست مأساة فردية، بل قانون غير مكتوب في العلاقات العميقة. أحياناً يكون النضج هو معرفة متى نتوقف، لا لأن الحب انتهى، بل لأن الإنسان لا يريد أن يخسر نفسه وهو يحاول إنقاذ شعوره.نص درويش يعلّمنا أن الذاكرة ليست ترفاً، وأن الحب بلا ذاكرة عاطفة عابرة، وأن المكان بلا جرح لا يصبح وطناً، وأن الكرامة ليست عدو الحب، بل حدّه الأخير.وبين القتل والمنع، يولد الإنسان أكثر وعياً وأشد وحدة.