خارج النص - كتب حلمي الأسمر - تفجير ثلاثة حقول ألغام وبناء الجدار الأمني على خط الهدنة مع الأردن، على أرض فلسطينية محتلة، ليس مجرد إجراء دفاعي، بل هو تعبير عن عقلية متجذرة في المخيال الصهيوني—عقلية المتسادا—حيث تُستبدل الشرعية بالجدران، وتُدار الأرض بالهدم، ويُراهن على الحصون في مواجهة مستقبل أثبت التاريخ أن القلاع وحدها لا تمنع السقوط بل تسرّعه. 1. الأمن كقناع والخوف كدافع في خطاب الاحتلال الرسمي، كل شيء يُختزل في كلمة "أمن”، لكن الأمن حين يتحوّل إلى هوس يصبح مرآة للخوف لا للقوة. تفجير الألغام ليس لحماية الأراضي بقدر ما هو إعلان عدم ثقة بالمستقبل بعد الحرب الأخيرة، وما بعد انهيار الردع، وما بعد الانكشاف القانوني والسياسي الذي يحيط بالوجود الإسرائيلي في فلسطين التاريخية. إسرائيل التي تزعم أنها "الدولة الطبيعية” في الشرق الأوسط، تتصرّف اليوم ككيان محاصر، يردم الأرض من حوله، ويحوّل خط الهدنة إلى منطقة ميتة مسوّرة بالألغام والجدران، كأن الجغرافيا نفسها أصبحت عدوًا محتملًا. 2. المتسادا: أسطورة البطولة وعقدة الخوف في المخيال الصهيوني، المتسادا رمز مركزي: قلعة اعتصم بها اليهود في وجه الرومان، وانتهت بانتحار جماعي بدل الاستسلام. في العقلية الصهيونية الحديثة، المتسادا تمثل الصمود الأخير، التحصّن المطلق، وحماية الذات بأي ثمن. تفجير الألغام وبناء الجدار ليسا مجرد سياسات أمنية، بل استدعاء لا واعٍ لعقيدة المتسادا: > نحن وحدنا، العالم ضدنا، وكل حدودنا يجب أن تتحوّل إلى قلاع حصينة. هكذا يقولون.. 3. القرآن الكريم والدرس التاريخي: "وظنّوا أن حصونهم مانعتهم” الله تعالى يذكر في سورة الحشر: > {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر… وظنّوا أن حصونهم مانعتهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} الآية الكريمة تضع قانونًا متكررًا في التاريخ: من يظن أن التحصين المادي والحصون قادر على حمايته من نتائج الظلم والاعتداء، ينتهي به المطاف إلى تدمير ذاته بذاته. تفجير الألغام على خط الهدنة هو - حرفيًا - تخريب للأرض بالأيدي قبل أن يكون تخريبًا للشرعية أو للسيادة. 4. الكلفة الاستراتيجية: الجدار كاعتراف بالفشل الجدران والألغام قد تمنع الاختراقات لفترة قصيرة، لكنها لا تحمي من التحولات التاريخية والسياسية. إسرائيل اليوم: توسّع حدودها العسكرية على حساب الأرض المحتلة. تحاول بناء قوة مطلقة وسط عالم يزداد مقاومةً للممارسات غير الشرعية. تحتمي بالجدران لأنها فقدت القدرة على التعايش مع محيطها. إن عقلية المتسادا هنا لا تحمي الوجود، بل تكشف هشاشة الدولة في مواجهة الزمن والمستقبل. ما حدث على خط الهدنة مع الأردن ليس حادثًا عابرًا، بل حلقة في مسار انكفائي طويل. كل كيان يبني وجوده على الخوف، ويستبدل العدالة والتحالفات بالجدران والتحصين، ينتهي عاجلًا أو آجلًا بمواجهة الحقيقة التي واجهت كل القلاع عبر التاريخ: أن الحصون لا تمنع السقوط، بل تؤجله وتجعل لحظة الانكسار أكثر فداحة. وفي ذلك يقول الله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار}. .