قراءة نقدية في فيلم " ليس بدون أمل " للمخرج جو كارناهان

من أكثر الظواهر لفتًا للنظر في السينما الأميركية ذلك التميّز اللافت في الاشتغال على قصص الأشخاص المفقودين في عرض البحر، بوصفها مادة ثرية لاختبار الهشاشة الإنسانية في مواجهة الطبيعة. من “كاست أواي” لتوم هانكس إلى غيره من الأعمال، تتجلى أفلام قادرة على تفجير الأبعاد الإنسانية عبر سرد حوادث قاسية، تجمع بين التشويق البصري والعمق الوجداني في آنٍ واحد. نحن أمام فيلم نتفاعل فيه مع أحداث حقيقية، بإيقاع نفسي مدروس يتناسب مع سينما الكوارث، حيث تتكامل السيكولوجيا مع التكنيك، وتفضي المعالجة إلى نتائج فنية لافتة.  فيلم «ليس بدون أمل» للمخرج جو كارناهان، والمبني على قصة حقيقية وقعت عام 2009، والمعروض حديثا على المنصات الرقمية 2025 يستعرض بقوة رحلة صيد يقوم بها أربعة أصدقاء من لاعبي كرة القدم، قبل أن تفاجئهم عاصفة هوجاء في بحر المكسيك، تقلب القارب وتتركهم عالقين في مواجهة مباشرة مع البحر المفتوح. في البداية، يتمسك الأربعة بحطام القارب، ويخوضون صراعًا مريرًا مع الزمن والجوع والإرهاق لأكثر من يومين، غير أن قوى ثلاثة منهم تخور تباعًا، ولا ينجو في النهاية سوى شخص واحد، هو نيك سكايلر، بعد عملية بحث مضنية نفذها خفر السواحل الأميركي. إنها قصة معاناة مؤثرة، مقدَّمة بأعلى درجات الجودة الفنية، تشعل الكوامن وتحرك العواطف، وتُروى برؤية إنسانية شديدة الحساسية والتأثير. الفيلم صرخة عشق للتمسك بالحياة، ومقاومة قسوة الطبيعة، ونادرًا ما نشاهد عملًا يتمتع بهذه الدرجة من الإتقان. فالتصوير في عرض البحر يفرض لغته ومفرداته الخاصة، وقد نجح المخرج في رهانه البصري؛ إذ تتبدى المعاناة في الصورة عبر أسلوب ذكي في تقريب اللقطات وإبعادها، وإطارات تكاد تلامس الوثائقي، بما يعمّق الإحساس بالواقع. تتنقل الكاميرا بين لقطات عامة بانورامية للبحر من الأعلى إلى الأسفل، ولقطات قريبة للقارب المقلوب وتفاصيله القاسية، ثم تتداعى الصور والذكريات في نسيج بصري رفيع. في كل مشهد بحري نشهد تناغمًا دراميًا نابضًا بالحياة، حيث يستخدم المخرج الكاميرا كما يستخدم الشاعر كلماته، ليصوغ قصيدة بصرية عن النجاة، والخوف، والأمل الذي لا ينطفئ.