في العديد من المؤسسات في بعض الدول النامية، يكتسب الأمن المؤسسي والسيطرة على المعلومات أهمية كبيرة ضمن الإدارة الحديثة، حيث يظهر دور ما يُعرف بالحاجب الأمني الإداري، وهو مسؤول كبير يتمتع بصلاحيات واسعة داخل المؤسسة ويحدد من يصل إلى القيادة العليا ومن يطلع على المعلومات الحساسة أو القرارات الاستراتيجية. هذا الدور يتجاوز المهام الأمنية التقليدية ليشمل الرقابة على الوصول الإداري والسيطرة على قنوات الاتصال الرسمية وغير الرسمية، ويصبح عنصرًا محوريًا في توازن القوى داخل المؤسسة. الحاجب الأمني الإداري مسؤول عن حماية المعلومات الحرجة وضمان عدم تسربها خارج نطاق المؤسسة، وكذلك تنظيم وصول الموظفين إلى القيادة العليا بما يحفظ سلامة القرارات الإستراتيجية ويمنع التأثيرات الخارجية غير المرغوبة. كما يقوم برصد أداء الموظفين والأنشطة الداخلية التي قد تؤثر على استقرار المؤسسة أو مصالحها العليا. ومع ذلك، فإن دوره في الدول النامية يكتسب طابعًا حساسًا نتيجة ضعف الحوكمة والإشراف المؤسسي، ما يجعل تأثيره كبيرًا على بيئة العمل وفعالية المؤسسة. على الرغم من الإيجابيات المتمثلة في تعزيز الانضباط وحماية المعلومات الحساسة، يظهر الجانب السلبي للحاجب الأمني الإداري عندما يُستخدم نفوذه الشخصي لتحقيق مصالحه الفردية بعيدًا عن أهداف المؤسسة والكادر الوظيفي. في هذه الحالات، يقوم بتصفية الوصول إلى القيادة العليا، مما يحرم موظفين أكفاء من المشاركة في صنع القرار أو التقدّم الوظيفي، ويجبر العاملين على اتباع نهج محدد يتوافق مع مصالحه وتوجهاته الشخصية. تتحول المؤسسة من كيان يركز على الكفاءة والعدالة المؤسسية إلى بيئة تتحكم فيها المصالح الفردية والامتيازات غير الرسمية، ويصبح الحاجب الأمني أداة ضغط وتوجيه تتحكم في المسارات المهنية للموظفين وفق ولاءات شخصية أو علاقات سياسية وأمنية، ما يولّد قوى شد عكسي داخل المؤسسة ويعيق الإصلاح المؤسسي والتطوير الإداري. يؤدي استمرار هذا الدور غير المنضبط إلى تهميش الكفاءات، وإضعاف الحوكمة والشفافية، وإعاقة التنمية المؤسسية، ويجعل المؤسسة بيئة غير محفزة للإبداع والمبادرة. لذلك، من الضروري أن تتبنى المؤسسات بالدول النامية آليات واضحة لضبط عمل الحاجب الأمني الإداري، تشمل تحديد صلاحياته ومسؤولياته بدقة ضمن إطار مؤسسي رسمي، ووضع رقابة إشرافية مستقلة لضمان عدم استغلال النفوذ الشخصي، وتعزيز الشفافية والمساءلة في اتخاذ القرار وتوزيع الفرص الوظيفية، وفصل المصالح الشخصية عن القرارات الإدارية لضمان عدالة التعامل مع الكادر وتحفيزه على الأداء. إن سلوك الحاجب الأمني الإداري غير المنضبط لا يقتصر تأثيره على الموظفين داخل المؤسسة فحسب، بل يمتد إلى المواطنين والمجتمع ككل، حيث يؤدي التحكم المفرط في المعلومات وفرض النفوذ الشخصي على القرارات إلى حرمان المواطنين من الوصول إلى الخدمات الأساسية أو تأخيرها بشكل متكرر، ما يقوض الثقة العامة بالمؤسسة ويضعف شرعيتها في نظر الجمهور. تكمن الخطورة الإضافية في أن الحاجب الأمني غالبًا يوهم الآخرين بأنه يعمل تحت غطاء الجهات الأمنية، ما يمنحه قدرة أكبر على التحكم والسيطرة ويزيد من تأثيره على الموظفين والمستفيدين، ويعمّق شعور الخوف أو الرهبة من مساءلته. هذا الوضع يصنع توترات وصراعات داخلية بين الموظفين والجهات المختلفة داخل المؤسسة، وينعكس بدوره على البيئة الاجتماعية عبر زيادة شعور المواطنين بعدم العدالة، مما قد يؤدي إلى ارتفاع الاحتقان الاجتماعي الصامت بطبيعته وتصاعد النزاعات المحلية. وعلى المستوى السياسي، يساهم هذا السلوك في تقويض استقرار المؤسسات العامة والدولة بشكل عام، حيث تصبح المصلحة الشخصية لبعض الأفراد فوق المصلحة العامة، وينمو شعور بالغضب أو الإحباط لدى المجتمع، وقد تتسع دائرة الصراعات لتشمل التنافس على النفوذ والمصالح، ما يهدد الاستقرار السياسي ويضعف قدرة الدولة على تنفيذ سياساتها التنموية والاجتماعية بكفاءة. إن ضبط دور الحاجب الأمني الإداري وتحويله إلى أداة حماية للمؤسسة بدلاً من أداة نفوذ شخصي يمثل شرطًا أساسيًا لتحقيق فعالية المؤسسات ودعم التنمية المستدامة في الدول النامية، والحفاظ على كفاءتها واستقرارها الإداري، بما يضمن بيئة عمل عادلة وشفافة ويحد من تأثير المصالح الفردية على المسارات المهنية للموظفين، ويعزز الثقة العامة ويقلل من الصراعات الداخلية، بما يسهم في استقرار المجتمع والسياسة على حد سواء. .