كتب د.فهمي الكتوت - يثير ردّ الدكتور منذر حدّادين على مقالي المنشور في جريدة الجماهير وموقعجو 24جملةً من الإشكاليات المنهجية والسياسية، ليس أقلّها التناقض الصريح بين ما ورد في هذا الردّ، وبين ما وثّقه هو نفسه في كتابه المرجعي «الدبلوماسية على نهر الأردن». إن جوهر الخلاف لا يدور حول «تقديرات» أو «اجتهادات»، بل حول أرقام موثّقة وردت في كتاب الدكتور حدّادين نفسه، وكانت تمثّل الحقوق المائية التي طالب بها الأردن رسميًا وفنيًا قبل الدخول في تسويات واتفاقيات سياسية لاحقة، وعلى رأسها اتفاقية وادي عربة. أولًا: مشروع شركة وادي تنسي في ردّه الأخير، وصف الدكتور حدّادين رقم 774 مليون متر مكعب بأنه رقم غير دقيق. غير أن هذا الوصف يصطدم مباشرة بما ورد في كتابه «الدبلوماسية على نهر الأردن» (النسخة العربية، 2004)، وتحديدًا في الصفحة (105)، حيث يؤكد بوضوح أن مشروع شركة وادي تنسي، الذي تبنّاه مبعوث الرئيس الأميركي أيزنهاور، إريك جونستون، خصّص للأردن حصة مقدارها 774 مليون متر مكعب سنويًا. وعليه، فإن السؤال المنهجي البسيط هو: كيف يتحوّل الرقم الموثّق في كتاب مرجعي إلى «مغالطة» عندما يُستعاد في مقال نقدي يكشف الفجوة بين الحقوق التاريخية والنتائج السياسية؟ إن نفي هذا الرقم اليوم لا يعني تصحيح خطأ، بل يعني التراجع عن السقف المائي الذي كان الأردن واللجنة العربية يطالبان به بوصفه حقًا فنيًا وقانونيًا أصيلًا. ثانيًا: حصة الأردن في المشروع العربي – السقف الأعلى للحقوق أشرتُ في مقالي إلى أن حصة الأردن في المشروع العربي بلغت 911 مليون متر مكعب سنويًا. وهذا الرقم لا يمثّل «موقفًا تفاوضيًا متطرفًا»، بل السقف الأعلى للحقوق المائية الأردنية كما أقرّته الدراسات الفنية العربية، وهو موثّق كذلك في كتابكم المذكور، وفي جدول توزيع الحصص نفسه. ثالثًا: التناقض ليس في مقالي… بل بين كتاب الدكتور منذر حدّادين ومقاله المنشور في «جو 24» لم أقدّم في مقالي أرقامًا جديدة، ولم أستند إلى مصادر خارجية أو تقديرات إعلامية، بل اعتمدت نصًّا وروحًا على ما ورد في كتاب «الدبلوماسية على نهر الأردن» نفسه، لإبراز التناقض بين: ·الحقوق التاريخية والفنية التي وُثّقت قبل المفاوضات ·والنتائج السياسية التي جرى القبول بها لاحقًا رابعًا: وادي عربة… تقنين الخسارة لا استعادة الحق إن الاعتراف بصحة الأرقام التي أوردتها — وهي أرقام الكتاب نفسه — يقود إلى نتيجة سياسية واضحة: اتفاقية وادي عربة لم تمكّن الأردن إلا من الحصول على جزء ضئيل من حقوقه التاريخية التي كانت مطروحة، ويجري الحصول على هذه الكميات بطريقة معقّدة، تخضع لنِسَب تجميع المياه، ولا تتجاوز 50 مليون متر مكعب سنويًا من بحيرة طبريا، كما تخضع عمليًا للابتزاز الإسرائيلي. ورغم ذلك، تتكرّر تصريحات رسمية تزعم أن الأردن حصل على «أكثر من حقه» المائي. واللافت في الردّ أن الدكتور حدّادين يشير إلى أن الأردن حصل بموجب اتفاقية وادي عربة عام 1994 على كمية تفوق ما وافقت عليه اللجنة الفنية لجامعة الدول العربية عام 1955، أي 50 مليون متر مكعب سنويًا، وهو ادّعاء يتناقض مع الوقائع الرقمية الموثّقة في المشاريع السابقة. في المقابل، حصلت «إسرائيل» على استخراج ما بين 500 و600 مليون متر مكعب سنويًا من مياه حوض نهر الأردن وبحيرة طبريا، علمًا أن حصتها في المشروع العربي لم تتجاوز 270 مليون متر مكعب سنويًا، عبر مشاريع التحويل والسحب الموسّع، وفقًا لما ورد في كتابكم، بما يكشف اختلالًا صارخًا بين ما طُرح في المشروع العربي والمشروع الأميركي من جهة، وما آل إليه التوزيع الفعلي من جهة أخرى. الخلاصة المسألة ليست سجالًا شخصيًا، ولا خلافًا تقنيًا حول أرقام، بل سؤال سياسي–وطني جوهري: هل يجوز الطعن اليوم في الحقوق المائية التاريخية للأردن لأنها تكشف حجم الغطرسة الإسرائيلية، وحجم التنازل الذي جرى لاحقًا؟ إن الدفاع عن هذه الحقوق، كما وُثّقت في الدراسات والمراجع، هو دفاع عن الذاكرة الوطنية، وعن حق الأردنيين في مساءلة السياسات التي حوّلت بلدًا من أصحاب حقوق مائية أصيلة إلى متلقٍّ لحصص شحيحة، في واحدة من أكثر مناطق العالم فقرًا بالمياه. وفي الختام، لا بدّ من الإشارة إلى أن الكتابة حول قضية المياه ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي قضية سياسية واقتصادية بامتياز. فقد صدر لي ثلاثة كتب في الاقتصاد الأردني، والمياه ليست معزولة عن الاقتصاد ولا عن بنيته وخياراته. وقد تناولتُ الأطماع الصهيونية في المياه الأردنية في كتابي «التحولات الاقتصادية والاجتماعية في الأردن» الصادر عام 2017، كما تناولت مطبوعات الحزب قضية سرقة المياه الأردنية في أكثر من مناسبة، وللحزب موقف سياسي واضح ومعلن ضد معاهدة وادي عربة ومرفقاتها. أما طرح هذه القضية في هذا التوقيت، فيأتي في سياق الضغوط الإسرائيلية المتواصلة على الأردن في هذه المرحلة، بما يفرض إعادة طرحها بوصفها مسألة سيادة وحقوق وطنية غير قابلة للتصرف. .