في خطوة مفصلية تحمل دلالات عميقة تتجاوز ظاهرها السياسي، جاء إعلان حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي وكافة هيئاته وأجهزته قرارًا شجاعًا وتاريخيًا، يعكس قراءة واقعية لمستجدات المرحلة، واستجابة مسؤولة لتعقيدات المشهد اليمني في لحظة بالغة الحساسية، وفي خطوة لتصحيح مسار القضية الجنوبية العادلة.إن القرار الذي اتخذه إخواننا الجنوبيون في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن السياق العام للأحداث، ولا عن التطورات المتسارعة التي فرضت نفسها على الأرض، وفي مقدمتها فرار عيدروس الزبيدي إلى الإمارات، وما رافق ذلك من تساؤلات مشروعة حول طبيعة المسؤولية والالتزام تجاه القضية الجنوبية.إن التعاطي الإيجابي مع هذا الإعلان إقرارٌ من كل الشعب اليمني والدول الراعية للعملية السياسية في بلادنا بالدور المحوري والمهم الذي لعبه إخواننا في المحافظات الجنوبية طوال عقد من الزمن في دعم سلطة الدولة والقضاء على الانقلاب، حيث كان أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية لليمن في مقدمة صفوف قواتنا المسلحة في الدفاع عن بلادنا ومكتسباتها، واليوم يؤكدون لكل الشعب اليمني أنهم جزء لا يتجزأ من وطن كبير، يسعون جاهدين للوصول إلى إيجاد خطوط عريضة للانتقال به من الصراعات والحروب إلى الشراكة والبناء والتنمية.إننا في المحافظات الشمالية لليمن مؤمنون إيمانًا مطلقًا بوجود أخطاء كبيرة في مسيرة الشراكة بين مختلف المكونات السياسية والمجتمعية في الشمال والجنوب والشرق والغرب منذ تأسيس الوحدة، لكن اتخاذ خطوات لجمع كافة المكونات في مكوّن سياسي واحد هدفه تصحيح هذه الأخطاء، وبرعاية من المملكة العربية السعودية التي بدأت في التحضير للمؤتمر الجنوبي وتعزيز مكانة هذه القضية وتصحيح مسار الدولة اليمنية وفق مبدأ لا ظالم ولا مظلوم.ولهذا فإن هذا القرار يمكن قراءته بوصفه تحوّلًا ناضجًا في الوعي السياسي، وإقرارًا ضمنيًا بأن المرحلة الراهنة تتطلب قرارات استثنائية، وشجاعة في مراجعة المسار، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، والانطلاق نحو فضاء واسع من الحوار والشراكة.لقد أثبتت التجارب، في اليمن كما في غيره من الدول، أن الجمود السياسي أخطر من التراجع التكتيكي، وأن الاعتراف بضرورة التغيير في التوقيت المناسب هو أحد مؤشرات النضج لا الضعف، ومن هذا المنطلق، فإن حلّ المجلس الانتقالي وهيئاته لا ينبغي أن يُنظر إليه كإلغاء لدور أو محو لتجربة، بل كخطوة تصحيحية تفتح الباب أمام مقاربة جديدة، أكثر شمولًا وأقل استقطابًا، لقضية الجنوب ضمن الإطار الوطني الجامع.ومن المؤكد أن هذا القرار يكتسب أهمية كبيرة في ضوء دعوة المملكة العربية السعودية لعقد مؤتمر "حوار جنوبي–جنوبي" في الرياض، وهي دعوة تحمل في جوهرها رسالة واضحة مفادها أن الرياض ما تزال ترى في الحوار الطريق الوحيد نحو سلام عادل ومستدام، وأن معالجة القضية الجنوبية لا يمكن أن تتم عبر فصيل واحد أو قيادة منفردة، بل من خلال إشراك مختلف المكونات الجنوبية، والاستماع إلى تنوّع الرؤى، والبحث عن نقاط الالتقاء لا أسباب الخلاف.وأمام هذا التحول الإيجابي، فإن حلّ المجلس الانتقالي في هذا التوقيت يعكس، بشكل أو بآخر، ثقة المكونات الجنوبية في صدق المساعي السعودية الرامية إلى رعاية حلّ عادل ومنصف للقضية الجنوبية، بعيدًا عن الإملاءات الخارجية أو توظيف المعاناة لخدمة أجندات لا تمت بصلة لمصالح اليمنيين.كما يعكس هذا القرار إدراكًا متزايدًا بأن المرحلة القادمة تتطلب مظلة جامعة، وضمانات إقليمية صادقة، وقدرة على إدارة الاختلاف ضمن إطار الحوار لا الصدام، والشراكة لا الاختلاف، وإعلاء المصلحة العليا للبلاد، لا التخاذل وتقزيم شعبنا ووطننا، وفتح الشهية أمام أعداء الوطن والأمة للاصطياد في الماء العكر. لقد كان إخواننا في المجلس الانتقالي الجنوبي أكثر حكمة ودهاءً وعلمًا بما يُحاك ضد وطننا وأمتنا، وأثبتوا للجميع أن الحكمة اليمنية تتجلى دائمًا وتتغلب وتنتصر على كل المؤامرات والدسائس التي تريد النيل من شعبنا في جنوب وشمال الوطن الكبير، والذي استشعره الجميع ووقفوا صفًا واحدًا في قرار واحد وجريء: هنا اليمن لن نكون جسرًا للفوضى، بل أرضًا واسعة للشراكة والسلام، ليس في اليمن فحسب بل في المنطقة.فالمشهد اليمني اليوم أصبح واضحًا، بعد أن مرّ بلحظات حرجة كان الجنوب أحوج ما يكون فيها إلى كشف هشاشة الخطاب الذي طالما كان يختزل قضية كبيرة في شخص واحد، ومن هنا، فإن قرار حلّ المجلس الانتقالي يمكن اعتباره أيضًا محاولة واعية لفك الارتباط بشخصنة القضية الجنوبية، وإعادتها إلى مسارها الطبيعي كقضية شعب وحقوق، لا كمنصة نفوذ أو أداة تفاوض بيد أفراد، وهو تحوّل يفتح آفاقًا جديدة أمام الجنوب للمشاركة الفاعلة في صياغة مستقبل اليمن، ضمن دولة عادلة تضمن الشراكة وتكفل الحقوق.خلاصة القول، إننا أمام لحظة سياسية دقيقة تتطلب خطابًا مسؤولًا، وإعلامًا واعيًا، وقراءة بعيدة عن الانفعال، والتأكيد على منطق الحوار، ودعم الجهود الصادقة، وفي مقدمتها الجهود السعودية، لإنهاء الصراع وإعادة اليمن إلى مسار الدولة والاستقرار، فهذا البلد الكبير لا يحتمل مزيدًا من المغامرات، والجنوب لا يمكن أن يكون ورقة في لعبة المصالح، بل شريكًا أصيلًا في بناء السلام.