ترك برس تناول مقال للكاتب والسياسي التركي ياسين أقطاي، فشل تنظيم قسد في الالتزام باتفاق 10 آذار، وما ترتب على ذلك من عملية عسكرية سورية حاسمة في حلب، مؤكدًا أن ما يجري ليس صراعًا مع الأكراد بل مواجهة مع تنظيم مسلح يسعى إلى فرض «امتياز فائق» بقوة السلاح. ويجادل الكاتب في مقاله بصحيفة يني شفق بأن قسد لا تمثل الأكراد، ولا تستمد وجودها إلا من الدعم الأمريكي–الإسرائيلي، وأن مطالبها لا تتعلق بالحقوق الثقافية أو المواطنة، بل بإنشاء كيان مسلح منفصل داخل دولة واحدة. كما يضع هذه التطورات ضمن سياق أوسع يرى في تقسيم سوريا مشروعًا إسرائيليًا، ويؤكد أن سوريا الجديدة تتشكّل على أساس الأمة والمواطنة المتساوية، لا العِرق ولا الكيانات المفروضة، وأن المرحلة الراهنة هي مرحلة استعادة القرار الوطني ورفض تنفيذ مخططات الآخرين. وفيما يلي نص المقال: على الرغم من انتهاء المهلة الممنوحة له في إطار اتفاق 10 آذار، لم يكتفِ تنظيم قسد بالمماطلة في اتخاذ الخطوات المطلوبة، بل واصل أيضًا مواقفه العدوانية من خلال هجماته على المناطق التي يحتلها في حلب. وقد أظهرت العملية التي أطلقتها الحكومة السورية حتى الآن مدى جديتها في التحذيرات التي وجهتها إلى قسد، وأنها تمتلك كذلك القدرة على تنفيذ ما تقول. فالأمر ليس موضع مزاح. فالحكومة التي تشكل البنية العسكرية الحالية لسوريا أسقطت قبل عام واحد جيش البعث السوري الذي كان يحظى بدعم إيران وروسيا، وذلك خلال عملية استمرت أحد عشر يومًا. وهي تتكوّن من قوى فتية تعرف جغرافيا سوريا شبرًا شبرًا، وتمتلك خبرة قتالية تمتد لأربعة عشر عامًا في شتى أنواع الحروب، والأهم من ذلك أنها تملك أسبابًا ومبررات سامية ومشروعة للغاية للقتال، إضافة إلى دافع إيماني ومعنوي عالٍ. أحفاد صلاح الدين ليسوا في قسد بل داخل الجيش السوري وبالفعل، ما إن تبيّن أن قسد لن تفي بشروط الاتفاق خلال المهلة المحددة، حتى بدأت العملية العسكرية، وخلال الساعات الأولى منها جرى تطهير حي الأشرفية في حلب الذي كان التنظيم يحتله، ولم يعد سقوط الشيخ مقصود كاملًا سوى مسألة وقت. العملية موجّهة بالكامل ضد التنظيم، ولا علاقة لها مطلقًا بالوقوف ضد الشعب الكردي. فلا يزال عدد كبير من الأكراد يقاتلون ضمن صفوف الجيش السوري، وهو جيش يتكوّن حاليًا من متطوعين بالكامل. وإذا كان لا بد من البحث عن أحفاد صلاح الدين، فهم هنا. هؤلاء يدركون جيدًا أن سوريا الجديدة تتشكّل على أساس الأمة لا على أساس عنصري، ويشاركون فيها بإيمان راسخ. ورغم أن الحيين الكبيرين اللذين تحتلهما قسد هما من المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية، فإن ذلك لا يمنح قسد ولا أي كيان آخر يدّعي تمثيل الأكراد حق إنشاء كيان ذاتي منفصل داخل مدينة حلب. امتلاك قوة مسلحة لا يمنح حقًا لا تملك قسد، ولا الجهات التي تمنحها هذا الادعاء باسم القومية الكردية من داخل تركيا، أي مسوّغ يمكن الدفاع عنه في هذا الأمر. فحمل السلاح وفرض السيطرة بالقوة لا ينشئ حقًا، ولا يمنح شرعية، ومن يسلك هذا الطريق يعرف مسبقًا ما ستكون عواقبه. وقد رأينا بوضوح في تركيا إلى أين انتهت أوهام “الحكم الذاتي” و”الدولة” حين أُغلقت بعض المناطق عبر حفر الخنادق. يومها جرى تدمير بيوت الناس من دون استئذانهم أو أخذ رضاهم، وحُوّلت منازلهم إلى متاريس، وأُخذ سكانها دروعًا بشرية. والمفارقة أن أولئك الذين دُفعوا ثمن هذه المغامرة كانوا أكرادًا أيضًا. ولا مزيد من القول. متى تذكروا فجأة أنهم أحفاد صلاح الدين؟ يحاول بعضهم اليوم تصوير العملية المشروعة تمامًا التي تقوم بها الحكومة السورية ضد قسد وكأنها موجهة ضد الأكراد. بل ويذهبون أبعد من ذلك، فيقدمونها على أنها حرب يخوضها الشرع ضد أحفاد صلاح الدين الأيوبي. مشهد غريب حقًا. متى تذكروا صلاح الدين؟ فالقوميون الأكراد الذين سعوا لسنوات إلى وضع مسافة بينهم وبين صلاح الدين بحجة القومية الكردية، والذين فروا من ظله فراسخ طويلة، عادوا فجأة للاحتماء بإرثه من أجل تقديم الشرع والنظام السوري الجديد بوصفهما عدوين جديدين للأكراد. الدعم الأمريكي لا يمنح قسد حقًا ولا شرعية الحقيقة الواضحة التي يحاولون إخفاءها تبرز كالشمس في رابعة النهار: قسد لا تستمد قوتها من تمثيل حقيقي للشعب الكردي، بل من الدعم الذي تتلقاه بالكامل من الولايات المتحدة وإسرائيل. وهذا الدعم لا يمنحها لا شرعية ولا حقًا. إن الخيانة التي ارتكبوها بحق شعوب المنطقة نتيجة تعاونهم مع أمريكا وإسرائيل تكفيهم عارًا وفضيحة. فليكفوا عن تلويث الأكراد بهذه الفضيحة، وعن خيانتهم مرة أخرى. الذريعة المعلنة للدعم الأمريكي لقسد هي محاربة داعش، لكن القناع قد سقط، وظهر الوجه القبيح، وانكشف المستور. فداعش لا علاقة له لا بالنظام السوري ولا بالمسلمين، بل هو أداة جرى اختلاقها أساسًا من قبل التحالف الأمريكي–الإسرائيلي لصناعة “بطل منقذ” لقسد. وحتى اليوم، لا يزال بإمكانهم زجه في الميدان متى شاءوا وبالجرعة التي يريدون. فلا حاضنة اجتماعية له، ولا أي اتساق أيديولوجي. ليس لقسد قوة سوى الدعم الأمريكي. وحتى لو افترضنا أنها تمثل الأكراد، فإن نسبة الأكراد في المناطق التي خصصتها لها الولايات المتحدة ضمن نطاق سيطرتها (الرقة، دير الزور، الحسكة، أي شرق الفرات كاملًا) لا تتجاوز 15% مقارنة بالعرب. والحقوق التي تدعيها قسد، أو من يزعمون التحدث باسم أكراد سوريا اليوم، لا تتعلق بالحقوق الثقافية للأكراد، ولا بالاعتراف بهويتهم، ولا بالمواطنة المتساوية في سوريا. فهذه الحقوق مكفولة أصلًا في ظل الإدارة الحالية، ليس للأكراد فحسب، بل لجميع الأقليات، دون منحهم صفة أقلية، بل بوصفهم مواطنين متساوين. أما ما تطالب به قسد فعليًا، فهو حق مختلف كليًا وهو تشكيل قوة مسلحة مستقلة عن الدولة، والسيطرة على مناطق يكون الأكراد فيها أقلية. هذا ليس حقًا، بل هو طلب امتياز فائق. واليوم، تقوم الأوساط القومية الكردية بصناعة خطاب المظلومية باسم الأكراد بحجة عدم منح هذا الامتياز الفائق. ويُتعامل مع الوعود التي قدمها التحالف الأمريكي–الإسرائيلي مقابل خيانة الشعب السوري وكأنها حقوق مكتسبة. وكان الأسد، بدافع الانتقام من تركيا، قد قبل بأن تنفذ الولايات المتحدة هذه العمليات على أراضيه وأن تسلمها لقسد. وليس خافيًا أن تنظيم بي كا كا استُخدم لسنوات طويلة من قبل نظام الأسد ضد تركيا. ومن حقنا أيضًا تحميل من يتولون اليوم الدفاع عن قسد مسؤولية تلك السنوات وتلك الخيانة. الآن نحن أمام مرحلة جديدة ووضع جديد.. سوريا باتت ملكًا لشعبها رحل الأسد، ومعه انتهى أيضًا النظام القائم على المخدرات والمجازر والاحتلال، الذي فرضه على بلاده بوحشية ولا مبالاة وبطموحات شخصية خالصة. في سوريا اليوم نظام لا يسعى إلى استغلال الأكراد، بل يراهم جزءًا لا يتجزأ من شعبه، ومواطنين متساوين مع سائر أبناء البلاد. سوريا المقسمة مشروع إسرائيلي كل ما يُنتظر من قسد هو التخلي عن مطلب الامتياز الفائق ولا شيء أكثر من ذلك لا أحد يسعى إلى ظلم الأكراد أو اضطهادهم. فالأكراد سيحظون، كما هو الحال الآن، بجميع حقوقهم الثقافية، وبمكانة واحترام وثقة لم يعرفوها في تاريخ سوريا من قبل. هذه هي التوازنات التاريخية التي استقرت عليها المنطقة عبر قرون طويلة، وقد أكّد المسؤولون الرسميون مرارًا أن العبث بها أو السعي إلى تقسيم سوريا ليس إلا جزءًا من مشروع إسرائيلي. واليوم لم يعد الوقت وقت تنفيذ مخططات الآخرين، بل وقت أن تتلاقى شعوب المنطقة، وأن تصوغ مستقبلها بمشاريعها هي، لا بمشاريع مفروضة عليها.