كيف تتعامل القوة الغربية مع الخليج والأردن اليوم كما تعاملت أمس مع مصر وإيران والعراق؟

كتب زياد فرحان المجالي - ليس في السياسة الدولية ما يُسمّى صداقات دائمة، ولا عداوات أبدية. هناك فقط مصالح متغيّرة تُدار بعقل بارد، وأدوات تُستَخدم ثم تُستبدل عندما تنتهي وظيفتها. هذه القاعدة ليست نظرية مؤامرة، ولا قراءة عاطفية للتاريخ، بل خلاصة عملية لسلوك القوى الغربية في الشرق الأوسط منذ قرن تقريبًا، من لحظة الاستعمار المباشر إلى مرحلة الهيمنة غير المرئية. ومن هنا، فإن إسقاط الحكم الملكي في مصر، والتخلّي عن شاه إيران، ثم إنهاء دور صدام حسين، لم تكن أحداثًا متناقضة أو عشوائية، بل محطات متتابعة داخل معادلة واحدة ثابتة. والسؤال الحقيقي اليوم ليس: لماذا حدث ذلك في الماضي؟ بل: كيف تُدار المعادلة نفسها الآن مع الخليج والأردن، وبأدوات أكثر نعومة وأقل ضجيجًا؟ أولًا: القاعدة الحاكمة – الحليف وظيفة لا شريك في العقل الاستراتيجي الغربي، لا يُقاس النظام الحليف بمدى ولائه الخطابي، ولا بعدد الاتفاقيات الموقّعة، بل بمدى التزامه بوظيفته داخل التوازن العام. الحليف ليس شريكًا في القرار، بل أداة لتحقيق استقرار يخدم المصالح الكبرى. وعندما تتغيّر الظروف، أو يحاول هذا الحليف تجاوز دوره الوظيفي، يصبح عبئًا يجب إعادة ضبطه أو التخلص منه. هذه القاعدة تفسّر ظاهرة تبدو صادمة في ظاهرها: لماذا تُسقِط القوى الغربية أنظمة خدمت مصالحها لعقود؟ الجواب بسيط وقاسٍ في آن واحد: لأن الخدمة لا تمنح حصانة، والولاء لا يصنع شرعية دائمة. ثانيًا: مصر الملكية – حين يصبح الحليف عبئًا الحكم الملكي في مصر لم يكن معاديًا للغرب. على العكس، كان جزءًا من منظومة النفوذ البريطاني في المنطقة، وساهم في حماية المصالح الغربية في قناة السويس والبحر المتوسط. لكن المشكلة لم تكن في موقف القصر، بل في تآكل قدرته على إدارة المجتمع. الشارع المصري كان يغلي، والجيش بدأ يتحول إلى قوة سياسية مستقلة، والنموذج الملكي بات مرتبطًا في الوعي الجمعي بالفساد والتبعية. في تلك اللحظة، لم يعد بقاء الملكية يخدم الاستقرار بأقل كلفة، فتم التغاضي عن سقوطها، لا دعمًا للثورة، بل بحثًا عن صيغة حكم جديدة يمكن احتواؤها لاحقًا. ثالثًا: إيران الشاه – من شرطي المنطقة إلى خطر محتمل في إيران، كانت العلاقة أوضح وأكثر مباشرة. الشاه كان حليفًا استراتيجيًا، حارسًا للمصالح النفطية، وركيزة أساسية في مواجهة الاتحاد السوفييتي. لكنه مع الوقت تحوّل من تابع إلى لاعب، وبدأ يبني قوة عسكرية واقتصادية ذات طموح إقليمي مستقل، وفقد في الوقت نفسه شرعيته الشعبية. هنا وقعت المفارقة الكبرى: الحليف الذي لا يستطيع حماية نفسه داخليًا، ولا يمكن ضبط طموحاته خارجيًا، يتحول إلى خطر مزدوج. لذلك لم تتدخل الولايات المتحدة لإنقاذ الشاه، بل تركت النظام يسقط، ثم تعاملت مع النظام الجديد بوصفه خصمًا قابلًا للاحتواء والاستنزاف. رابعًا: العراق – الوظيفة التي انتهت حالة العراق أكثر فجاجة. صدام حسين لم يكن في الثمانينيات عدوًا للغرب، بل أدى وظيفة واضحة في استنزاف إيران ومنع تمددها. تلقّى دعمًا سياسيًا واستخباراتيًا، وغُضّ الطرف عن كثير من ممارساته. لكن بعد انتهاء الحرب، حاول التحول من أداة إلى لاعب مستقل، فكانت النهاية محسومة. غزو الكويت لم يكن مجرد خطأ سياسي، بل إعلان خروج عن الدور المرسوم. ومن يخرج عن النص في نظام دولي أحادي القطب، لا يُعاقَب فقط، بل يُدمَّر نموذجه بالكامل. لذلك لم يُسقَط صدام وحده، بل أُعيد تشكيل العراق كدولة ضعيفة، منقسمة، بلا مركز قرار سيادي حقيقي. خامسًا: لماذا قُوّي العامل الطائفي في العراق؟ لم يكن تمكين القوى الشيعية بعد 2003 تعبيرًا عن إيمان غربي بالديمقراطية، ولا انتصارًا لحقوق المظلومية التاريخية، بل خيارًا وظيفيًا بامتياز. النظام الطائفي يضمن هشاشة دائمة، والهشاشة تعني قابلية التحكم. الدولة المنقسمة لا تعود قادرة على لعب دور إقليمي مؤثر، ولا على تهديد التوازنات القائمة. وهكذا، تحوّل العراق من دولة مركزية قوية إلى ساحة نفوذ متنازع عليها، وهو بالضبط الشكل الذي تفضّله القوى الكبرى عندما تريد منع عودة دولة سيادية فاعلة. سادسًا: الخليج اليوم – لماذا لم يُسقَط؟ هنا نصل إلى الحاضر. الخليج لم يتعرض لسيناريوهات الإسقاط المباشر، لا لأن أنظمته "مقدّسة”، بل لأنه لم يتجاوز دوره الوظيفي. الثروة النفطية لم تتحول إلى قوة عسكرية مستقلة، والأمن ما زال مرتبطًا بالمظلّة الغربية، والاقتصادات الخليجية مندمجة في النظام المالي العالمي القائم على الدولار. بعبارة أخرى: الخليج غني، لكنه ليس سياديًا بالكامل، وهذه هي الصيغة المثالية في نظر الغرب. لا حاجة لإسقاط نظام يؤدي وظيفته بكفاءة، ولا مصلحة في تفجير استقرار يضمن تدفق الطاقة واستقرار الأسواق. سابعًا: متى يبدأ القلق الغربي من الخليج؟ القلق لا يبدأ مع الخلافات السياسية العابرة، بل مع التحولات البنيوية العميقة: تنويع الشراكات الدولية، بناء قدرات دفاعية مستقلة، امتلاك التكنولوجيا الحساسة، أو الانتقال إلى اقتصاد ما بعد النفط دون وصاية خارجية. عند هذه النقطة، لا يكون الرد انقلابًا أو غزوًا، بل ضغطًا ناعمًا: أدوات مالية، حملات إعلامية، ملفات حقوق الإنسان، أو إعادة تعريف شروط "الشراكة”. الغرب لا يحتاج إلى إسقاط الخليج، لأنه يستطيع إعادة ضبطه بأدوات أقل كلفة. ثامنًا: الأردن – حالة مختلفة داخل المعادلة الأردن لا يُقرأ بمنطق النفط أو الثروة، بل بمنطق الجغرافيا والدور السياسي. منذ تأسيسه، أُنيط به دور الدولة العازلة، صمام الأمان، والحاجز بين الفوضى والاستقرار. هذه الوظيفة جعلت استقراره ضرورة إقليمية، لا ترفًا سياسيًا. لكن هذا الاستقرار له سقف. الأردن لا يُسمح له بالسقوط، لأنه عنصر توازن، ولا يُسمح له في الوقت نفسه ببناء قوة كاملة قد تغيّر موقعه الوظيفي. لذلك تُدار علاقته مع الغرب عبر المساعدات المشروطة، والضغوط الاقتصادية، والحفاظ على حالة اعتماد متبادل غير متكافئة. تاسعًا: لماذا لا يُسقَط الأردن؟ لأن إسقاطه يفتح أبواب فوضى إقليمية لا يمكن التحكم بها، ويهدد التوازنات الحساسة في فلسطين وسوريا والعراق. لكن في المقابل، لا يوجد حافز حقيقي لتمكينه اقتصاديًا وسياديًا بشكل كامل. الدولة الوظيفية لا تُدمَّر، بل تُدار. عاشرًا: الخلاصة – المعادلة مكتملة ما يجمع مصر الملكية، وإيران الشاه، والعراق صدام، مع الخليج والأردن اليوم، ليس التشابه في الأنظمة، بل الخضوع لمنطق واحد: منطق المنفعة والضبط. الغرب لا يُكافئ الولاء، ولا يحمي الحلفاء لذاتهم، بل يحمي التوازن الذي يخدم مصالحه. من يخدم ويصمت يُحتوى، من يخدم ويحاول الاستقلال يُعاقَب، من يتمرّد يُسقَط، ومن ينهار يُعاد تشكيله. هذه ليست أحكامًا أخلاقية، بل توصيفًا باردًا لنظام دولي لا يعترف إلا بالقوة والوظيفة. ويبقى السؤال الأهم، الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا قبل أن نلوم الخارج: هل بنت دولنا شرعية داخلية واقتصادًا منتجًا ومشروع دولة حقيقي؟ أم اكتفت بلعب دور داخل معادلة لا تصنعها؟ .