فينوس.. خمسينية لا تتنازل عن الأحلام

في صباح الأحد البارد في تسمانيا الأسترالية، وقفت امرأة طويلة القامة أمام شجرة كينا ضخمة، استنشقت رائحتها بعمق ثم ابتسمت وهي تقول للصحافيين المحيطين بها بصوت يحمل نبرة المزاح والجد معًا: «رائحة الكينا هذه رائعة، تغريني أن أغير جواز سفري حتى أبقى بجوارها». كانت فينوس ويليامز، البالغة من العمر خمسة وأربعين عامًا، تقف بكامل أناقتها الرياضية، وفي عينيها بريق لم يخبُ بعد، بريق من لا يزال يؤمن أن العمر مجرد رقم مكتوب على ورقة لا أكثر. منذ آخر مرة لعبت فيها خارج أمريكا الشمالية، مرّت أعوام ثقيلة وأيام من الألم الذي يتسلل إلى المفاصل، من الليالي التي لا تنام فيها الجروح، من غرف العمليات، من أسئلة الناس المتكررة: «متى ستتوقفين؟» لكن فينوس لم تكن تسمع تلك الأسئلة.. أو ربما كانت تسمعها وتختار أن تجيب عليها بمضربها. قبل أيام قليلة فقط، في أوكلاند، وقفت أمام ماجدا لينيت، المصنفة 52 عالميًا، وكأن الزمن توقف للحظات. ضربت الكرة بقوة ودقة جعلت الجميع يتذكر فينوس التي كانت تهزّ عرش التنس قبل أن تولد معظم اللاعبات الحاليات. خسرت المباراة، لكنها خرجت من الملعب وهي تقول بابتسامة: «أضرب الكرة بشكل جيد جدًا الآن... كنتُ قريبة من السيطرة.. لا أطلب الكمال دائمًا... لكنني أريده بشدة». في الفندق بتسمانيا، جلست فينوس تتأمل صورة قديمة لشقيقتها سيرينا في هوبارت 2007. خسرت سيرينا في ربع النهائي، ثم تحول ذلك الغضب إلى نار حملتها للفوز بأستراليا المفتوحة بعد أسابيع قليلة. ابتسمت فينوس وهي تتذكر تلك اللحظة، ثم همست لنفسها: «الغضب أحيانًا يكون وقودًا جيدًا...». الإثنين ستدخل الملعب مرة أخرى، ليس فقط لتلعب مباراة، بل لتكتب سطرًا جديدًا في كتاب التنس. ستكون أكبر لاعبة تشارك في القرعة الرئيسة لأستراليا المفتوحة في التاريخ. رقم جديد يُحفر بجانب اسمها، متجاوزًا حتى كيميكو ديت التي كانت تبلغ 44 عامًا في 2015. ستواجه في الدور الأول تاتيانا ماريا، الألمانية البالغة 38 عامًا، وهي أيضًا من جيل يرفض أن يترك الملاعب بسهولة. مباراة بين امرأتين تعرفان معنى أن تكونا «الاستثناء» في عالم يصرّ على وضع تواريخ انتهاء صلاحية للأحلام وهي من عانقتها مبكرًا بـ7 ألقاب في البطولات الكبرى، معظمها على عشب ويمبلدون إضافة إلى ذهبية فردي 2000 سيدني وذهبية زوجي «مع سيرينا» 2000 سيدني، 2008 بكين، 2012 لندن كما اعتلت عرش الجراند سلام بـ14 لقبًا مع شقيقتها. عندما سألها أحدهم ذات مرة: «هل هذه آخر مرة لكِ في أستراليا؟» نظرت فينوس إلى الأفق بعيدًا، ثم قالت بهدوء: «التنس رياضة جميلة... والاستمرار في ممارستها نعمة.. أنا لا أفكر في النهاية الآن.. أفكر فقط في الخطوة التالية على الملعب». وفي تلك اللحظة، بين أشجار الكينا ورائحتها التي تذكّرها بأماكن بعيدة، بدت فينوس ويليامز، أيقونة حيّة تذكّر الجميع أن الشغف الحقيقي لا يعرف تاريخ ميلاد، ولا يقرأ الأرقام على بطاقة الهوية. الإثنين ستدخل الملعب... ولن يدخل معها فقط مضرب وكرات، بل كل المعارك التي خاضتها، وكل الأحلام التي رفضت أن تتقاعد قبلها.