طوارئ مستشفى الأمير حمزة: حين يصبح الإهمال وصفة جاهزة… وتتحول حياة الناس إلى "تخمين”

ليست كل الكتابة ترفًا، ولا كل مقال رأيًا. فهناك لحظات يكتب فيها الإنسان لأن الصمت يصبح شراكة في الجريمة. يكتب لا ليُشهّر، بل ليحمي. لا ليُثير ضجيجًا، بل ليكسر جدار الإهمال، ويُعيد المعنى إلى كلمة "طوارئ” التي يفترض أنها تعني: إنقاذ، سرعة، مسؤولية… وقرار طبي ثقيل يليق باللحظة. أكتب اليوم، لا بصفتي صحفيًا ولا صاحب قضية عامة فقط، بل بصفتي أبًا مرّ في ممرات الطوارئ أكثر من مرة، وأدرك بطريقته القاسية أن بعض أقسام الطوارئ في مستشفياتنا لم تعد تُدار بمنطق "الخطر”، بل بمنطق "التخفيف”، وأن المواطن في لحظة ضعفه قد يُعامل وكأنه مبالغ، أو متوهم، أو زائر زائد عن الحاجة… لا مريضًا يحتمل أن يكون على حافة أزمة قد تغيّر حياته. ما سأرويه هنا ليس حادثة شخصية تُطوى بعبارة "الله يعافيه”، بل نموذج عن خلل يتكرر، وعن ثقافة تتسلل إلى بعض المؤسسات الصحية: ثقافة تقول للمريض "لا تقلق”، بينما المطلوب من الطبيب أن يقول "دعني أتأكد”. فرق بسيط في الكلمات… لكنه فرق بين الحياة والموت. ابني راجع قسم الطوارئ في مستشفى الأمير حمزة أكثر من مرة. الأعراض كانت واضحة، الشكوى ليست خفيفة، والقلق كان يتصاعد داخل البيت كصوتٍ لا ينخفض. وفي كل مرة، كان المشهد يتكرر بصورة مخجلة: فبدل أن يكون الطوارئ بوابةً للفحص الدقيق وتقدير الخطر، يصبح محطة لتوزيع النصائح السهلة: "روح ارتاح… وتغدى… وارجع القسم”. ثم يعود. ثم يعود مرة أخرى. ثم يعود ثالثة. والجواب ذاته. وكأن المريض يطلب معروفًا لا حقًا، وكأن الطوارئ تُدار بعقلية "صرف الناس” لا بعقلية "التقاط الحالات الخطرة قبل أن تقع الكارثة”. هنا لا أتحدث عن نقص أسرة أو ضغط مراجعين فقط، لأن الضغط مفهوم ويحدث في كل دول العالم، بل أتحدث عن شيء أخطر من الضغط: غياب الحس الطبي الحاسم. الطوارئ ليست مكانًا لإغلاق الملف بسرعة، بل مكان لفتح كل الاحتمالات، خصوصًا إذا كانت الأعراض تتصل بالقلب أو الشرايين أو الصدر أو ضيق التنفس. تلك أعراض لا تقبل المزاح، ولا تقبل "شرب ميّة والنوم”. أي عقل طبي يسمح بخروج مريض راجع الطوارئ عدة مرات بنفس الشكوى دون إدخال للملاحظة؟ أي منظومة تسمح بتكرار خطأ واحد دون مراجعة؟ وأي إدارة تقبل أن يتحول الطوارئ إلى "نقطة مرور” بدلًا من أن يكون "غرفة قرار”؟ عندما وصلت إلى مرحلة لم أعد أحتمل فيها العبث، أخذت ابني إلى طبيب خاص. ولم يكن ذلك خيار رفاهية، بل خيار خوف. الخوف هو ما يدفع الآباء إلى كسر الميزانية، وإلى طرق أبواب العيادات الخاصة، وإلى دفع ما لا يملكون. في تلك اللحظة شعرت أن الدولة تركتني وحدي في منتصف الطريق. وبدل أن يكون الطوارئ سندي… أصبح خصمًا يفاوضني على أعصاب ابني. في تلك العيادة الخاصة قابلت طبيبًا يستحق الذكر، لا لمجاملة، بل لما فعله من واجبه: الدكتور عاصم نماس. رجل تعامل مع الحالة كما ينبغي أن تُعامل: فحص، سؤال، تدقيق، وقراءة للأعراض كعلامات إنذار لا كشكوى عابرة. لم يقل: "مش مشكلة”، ولم يوزّع الطمأنينة على الهواء، بل حمل مسؤولية الطب كما يجب أن تُحمل: بعلم وخبرة وضمير. بعد دقائق قليلة قال لي بوضوح أشبه بالصفعة: "كيف سمحوا له أن يغادر الطوارئ دون إدخال أو متابعة؟!” هذه الجملة زرعت سمًا في نفسي… لا لأن الطبيب أراد تخويفي، بل لأنه وضع إصبعه على الجرح: الطوارئ لم تؤدّ دورها. الطوارئ لم تُقدّر الخطر. الطوارئ تصرفت بعقلية الاستسهال. وهنا يصبح الكلام ثقيلًا، لأننا لا نتحدث عن "ألم معدة”، بل عن احتمال انسداد شريان، عن إمكانية جلطة، عن خطر قد يداهم شابًا في بيته وهو "يتغدى” كما نصحوه. عدت بابني إلى طوارئ الأمير حمزة، ولكنني لم أعد كمراجع عادي هذه المرة. عدت وأنا أحمل الرعب داخل صدري. عدت وأنا أعرف أن كل دقيقة قد تكون فاصلة. استعنت بأطباء أصدقاء، وطلبت فحوصات وتصويرًا، وأصررت أن الحالة يجب أن تؤخذ بجدية لا بتساهل… لأنني لو لم أفعل، فربما كنت اليوم أكتب نعيًا لا مقالًا. تم إدخاله أخيرًا، وبعد الفحوصات والإجراءات جاءت الحقيقة التي تفضح كل التطمينات السابقة: انسداد في أحد الشرايين. لم يكن الأمر "تعبًا عابرًا” ولا "ضغطًا نفسيًا”. كان انسدادًا يستدعي قسطرة… وانتهى الأمر بتركيب شبكة. ومن يعرف الطب يدرك معنى ذلك، ويدرك أن ترك الحالة دون إدخال قد يقود إلى أزمات لا تُحتمل. وهنا اسمحوا لي بسؤال واحد، سؤال لا يخص ابني وحده بل يخص كل بيت: ماذا لو لم آخذ ابني إلى الدكتور عاصم نماس؟ ماذا لو صدقنا نصيحة الطوارئ مرة أخرى؟ ماذا لو عاد إلى البيت ونام كما طلبوا منه؟ هل كان سيستيقظ؟ ومن كان سيحمل ذنب تلك النهاية؟ لا أحد يملك حق اللعب بهذه الأسئلة. ولا أحد يملك حق تحويل حياة الناس إلى احتمالات. الطبيب في الطوارئ لا يملك ترف الخطأ، لأن خطأه لا يُصلح بحذف منشور أو اعتذار شفهي. الخطأ هناك يُقاس بالقلب، بالشريان، بالدم… وبالعمر. وأنا هنا لا أكتب لأجل مستشفى الأمير حمزة وحده. لأنني أعرف – ويعرف الناس – أن هذا المشهد يتكرر في أماكن أخرى. هناك نمط مقلق في بعض أقسام الطوارئ: نقص اختصاص، ضغط مناوبات، وتعود على صرف المرضى بسرعة. لكن إن كان الضغط سببًا، فالمسؤولية أكبر: أين وزارة الصحة؟ أين إدارة المستشفيات؟ أين الرقابة الطبية؟ وأين البروتوكولات؟ الطوارئ لا يجوز أن تعمل كأنها عيادة عامة. الطوارئ تحتاج اختصاصيين، وتحتاج قرارًا حاسمًا، وتحتاج نظام فرز واضحًا… وإلا تحولت إلى مكب أخطاء. ولا يجوز أن يكون المواطن هو الفاتورة، وأن تكون أجساد الناس ملعبًا لتقدير خاطئ أو نقص خبرة أو تسرع. وإذا أردنا التوبيخ الحقيقي فهو هنا: من العار أن يبقى قسم الطوارئ بلا اختصاص حاضر أو مستدعى في مناوبات معينة. ومن العار أن تتكرر أخطاء صرف المرضى. ومن العار أن يتحول المواطن إلى "ملف مزعج” يُسكت بكلمات جاهزة. ومن العار الأكبر أن تتظاهر المنظومة أن الأمور بخير… بينما المواطن يدفع الثمن. لقد علّمنا جلالة الملك عبدالله الثاني أن كرامة الأردني خط أحمر، وأن الخدمات الصحية جزء من أمن الدولة الاجتماعي. لكن ما يحدث في بعض أقسام الطوارئ – إن ثبت واستمر – يسيء لهذه الرؤية قبل أن يسيء للمواطن. لأنه حين يفقد المواطن ثقته بالطوارئ… فهو يفقد ثقته بشيء أكبر من مستشفى: يفقد ثقته بفكرة الأمان في وطنه. لهذا، فإني أطالب علنًا وبكل مسؤولية بفتح تحقيق إداري ومهني في كيفية التعامل مع الحالة داخل طوارئ الأمير حمزة، ليس انتقامًا… بل تصحيحًا. لأن هذا التحقيق ليس لحماية أسرة واحدة، بل لحماية آلاف الأسر. أطالب بمراجعة المناوبات والتأكد من وجود اختصاصيين في الطوارئ على مدار الساعة، خصوصًا للحالات القلبية. وأطالب بتشديد بروتوكولات التعامل مع ألم الصدر وضيق التنفس والأعراض المشتبه بها، لأن تلك أعراض لا تُصرف… بل تُراقب وتُدخل للملاحظة. وأطالب – وهذا هو الأهم – بإنهاء ثقافة "تسكيت المريض” في الطوارئ، لأن الطمأنة غير المبنية على تشخيص ليست طمأنة… بل تضليل. والمواطن لا يحتاج كلمات لطيفة، بل يحتاج فحصًا صحيحًا، ومسؤولية دولة. الطب ليس حكاية… الطب علم. والطوارئ ليست صالة انتظار… الطوارئ مسؤولية. ومن لا يستطيع تحمل هذه المسؤولية فليتركها لمن يستطيع… لأن المواطن ليس حقلًا للتجربة، وليس رقمًا في دفتر مناوبة. في النهاية أقولها بوضوح: ما جرى لابني قد يجري لابن غيري. وما وقع في طوارئ الأمير حمزة قد يقع في غيره. لكن الفرق أن غيري قد لا يجد طبيبًا خاصًا، وقد لا يملك ثمن العيادة، وقد يثق بالنصيحة ويعود إلى بيته… ثم لا يعود. لهذا كتبت. ولهذا أُوبِّخ. ولهذا أرفع الصوت: لأن الصمت هنا خيانة… ولأن الطوارئ يجب أن تعود طوارئ: إنقاذًا لا تهوينًا… حياةً لا احتمالات. .