المعايطة يكتب: اعتراض متأخر على ثورة الكرك! #عاجل

كتب المهندس محمد عبدالحميد المعايطة * "نيالك يا هالقط ... يلّي عالحيط بتنط عسكرية ما بتروح ... وضريبة ما بتحط". لم تكن هذه الأبيات مجرّد سخرية شعبية ، بل موقفاً سياسياً صريحاً من سلطة رأت في الناس وقوداً للتجنيد ومادةً للجباية. ظهرت بعد انقلاب الاتحاد والترقي عام ١٩٠٨ وخلع السلطان عبد الحميد الثاني في عام ١٩٠٩ حين سارع الحكم الجديد إلى فرض تعداد النفوس في الكرك تمهيداً للتجنيد الإجباري، وقرنت ذلك بفرض الضرائب على الأملاك المنقولة وغير المنقولة. واليوم، وبعد أكثر من قرن، أجد نفسي أطرح السؤال ذاته، لكن بارتباك أكبر: لماذا ثار أبناء الكرك آنذاك؟ أليست الدولة صاحبة ولاية؟ أليس من حقها أن تُحصّل الضرائب وتفرض القوانين؟ ولماذا اختاروا المواجهة، وهم يعلمون كلفتها الباهظة؟ ولماذا استجابوا لشاعرهم : "يا سامي باشا ما نطيع …….ولا نعد رجالنا لعيون مشخص والبنات…ذبح العساكر كارنا" . وكأني أسمع احد الثوار يجيبني: إننا شعرنا بالظلم، و الفساد مستشرياً، والقرار لم يكن إصلاحاً بقدر ما كان تسلطاً وجباية بلا عدالة، وسلطة بلا تمثيل، وشعرنا إن الضريبة لم تكن المشكلة، بل فقدنا الشعور بأن الدولة دولة الجميع. فقلت له: نحن اليوم نعيش واقعاً لا يختلف كثيراً في الجوهر، وإن اختلف في الشكل، ندفع ضرائب أكثر، ورسوماً أوسع، وتسميات أحدث: ضريبة دخل، مبيعات، محروقات، خدمات، طوابع، رسوم بلدية، ورسوم "تحسين”، ندفع على ما نملك، وعلى ما لا نملك، وعلى ما نستخدم، وعلى ما لا يصلنا أصلًا. ندفع ولا نعرف على وجه الدقة أين تذهب هذه الأموال، ولا نرى أثرها في خدمات عامة تليق بما يُجبى، ولا نملك أدوات مساءلة حقيقية ، نشتكي من الفساد، لكننا نتعايش معه ، ننتقد غياب العدالة، لكننا نُكيّف حياتنا على أساسها ، نغضب، ثم نهدأ، ثم ندفع . نرى أبناء الوزراء والمتنفذين يأخذون حقوق أبنائنا ،نغضب، ثم نهدأ ، ثم نصفق ونقول تزهو بكم المناصب ، وأضفت بصوت خافت ممزوج بالخوف والاستسلام والخزي : بل إننا ومنذ عام 1980 ندفع ضريبة للصرف الصحي في مناطق لا صرف صحي فيها ، خدمة غير موجودة، مقابل مال موجود وندفعه دائماً،ومع ذلك لم نعترض ولم نحتج ولم.... حين ذلك ،أجاب باستغرابٍ حزينٍ عنيفٍ وصادم : أبلغَ بكم الذل أن تدفعوا ضريبة على خدمة غير موجودة؟ " أخبرني يا ولدي هل عقب قدر ؟ لقد متُ قبله ". الاستكانة والخنوع... هو الفارق الحقيقي بين الأمس واليوم. لم يكن أبناء الكرك أكثر عنفًا، بل كانوا لا يقبلون الظلم، لم يكونوا يرفضون الدولة، بل يرفضون أن تُدار الدولة بلا عدالة ، أما نحن، فقد تعلّمنا كيف نفصل بين غضبنا وسلوكنا: نغضب بالكلام، ونلتزم بالدفع، نمدح ونصفق بلا خجل. السؤال لم يعد تاريخياً ، بل سياسياً بامتياز: هل كانت ثورة الكرك خروجاً على القانون؟ أم أن ما نعيشه اليوم هو قبول طويل الأمد بإنتهاك العقد الاجتماعي ؟ نعم لسنا بحاجة إلى هّْيه جديدة أو هبة ! لكن المؤكد أننا بحاجة إلى شيء واحد على الأقل : أن نتوقف عن اعتبار الظلم أمراً طبيعياً ، وأن نحتجّ ونعترض، ونرفع صوتنا عالياً معلنين: كفى، لم نعد نحتمل . * الكاتب رئيس بلدية الكرك السابق .