كتب د. عبدالله حسين العزام - تواجه الدول الحديثة في النظام الدولي المعاصر تحديات مركبة تتراوح بين الضغوط الداخلية والخارجية، وتبرز الظواهر التدريجية التي تؤدي إلى تآكل الدولة كأحد أخطر المخاطر الاستراتيجية التي لا تظهر نتائجها بشكل مفاجئ، بل تتراكم بصمت حتى تصل إلى لحظة العجز. ويشير مفهوم الدولة الهشة (Fragile State) في العلوم السياسية إلى تلك الدول التي تعاني من ضعف مؤسساتها، وغياب سيادة القانون، وفشلها في تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها، وهو ما يمثل مرحلة تمهيدية للانهيار الداخلي قبل أي تهديد خارجي مباشر. ويبدأ هذا التآكل عادة عبر ثلاثة مسارات مترابطة تعمل بشكل صامت لكنها مدمّرة: ضعف الأداء المؤسسي، واستباحة الموارد العامة، وتصدّر غير الأكفاء للمراكز القيادية. يتمثل المسار الأول في ضعف الأداء المؤسسي الناجم عن تقليص فرص الكفاءات وتحويل المناصب العامة إلى امتيازات مغلقة، ما يؤدي إلى تراجع صورة الدولة في وعي أفرادها. فعندما تُستبعد العقول المؤهلة ويُمنح النفوذ لأشخاص غير مؤهلين، تفقد الدولة قدرتها على إدارة ملفاتها الداخلية والخارجية بكفاءة، ويتكرس شعور عام بعدم المساواة والتمييز، الأمر الذي يضعف الثقة بين الفرد والمؤسسة. وقد شهد التاريخ نماذج متعددة على ذلك، ولعل من أبرزها تراجع الدولة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر نتيجة تراكم الفساد الإداري وسوء توزيع السلطة على الأقاليم. أما المسار الثاني فيتمثل في استباحة الموارد العامة، وهو ما يؤدي إلى إضعاف قدرة الدولة على تلبية احتياجات أفرادها الأساسية، ويرتبط بشكل مباشر بمفهوم الحوكمة (Governance) الذي يحدد آليات إدارة الموارد والمساءلة السياسية والمالية. فغياب الشفافية والمحاسبة يؤدي إلى هدر المال العام، ويقوض الثقة بين الدولة والمجتمع. وقد أظهرت تجربة انهيار مؤسسات الدولة في ليبيا بعد عام 2011 كيف أن سوء إدارة الموارد، رغم وفرتها، أسهم في فقدان الدولة السيطرة على أراضيها ومؤسساتها، وتحولها إلى كيان هش عاجز عن فرض النظام أو تنفيذ السياسات العامة. ويتجلى المسار الثالث في تصدّر غير الأكفاء وأصحاب النفوذ المحدود لمراكز القرار العام، الأمر الذي يقود إلى سياسات ارتجالية وسوء تخطيط استراتيجي، فتضعف الدولة داخلياً وتصبح أكثر عرضة للضغوط الخارجية. ويبرز مثال العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003 كحالة واضحة، حيث أدى ضعف القيادة المؤهلة والمؤسسات المهنية إلى انهيار أجهزة الدولة، وتفاقم الأزمات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ما جعل البلاد لفترة طويلة دولة هشة تفتقر إلى القدرة على تنفيذ سياسات فعالة ومستقرة. تتشابك هذه المسارات الثلاثة لتشكّل نموذجًا من الانهيار التدريجي للدولة (Slow Collapse)، حيث يبقى الشكل المؤسسي قائمًا ظاهريًا، لكن الكفاءة والعدالة والقدرة على حماية المصالح الوطنية تتآكل من الداخل. وتشير الدراسات الحديثة في علم السياسة إلى أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها العسكرية، بل بقدرتها على دمج الشرعية السياسية، والحكم الرشيد، والإدارة الفعالة للموارد، بما يجعلها أكثر صموداً أمام التحديات الداخلية والخارجية. ولا يكتمل تحليل ظاهرة الانهيار الصامت دون التوقف عند دور القوى الدولية في استثمار هشاشة الدول؛ ففي كثير من الحالات، لا تسعى هذه القوى إلى إسقاط الدولة بشكل مباشر، بل تعتمد استراتيجيات طويلة الأمد تقوم على إدارة الأزمات بدل حلّها، والإبقاء على الصراعات في حالة توازن هش لا غالب فيه ولا مغلوب. ويتم ذلك عبر أدوات متعددة، مثل الدعم الانتقائي للأطراف المتصارعة، أو فرض مسارات سياسية غير مكتملة، أو استخدام المساعدات الاقتصادية والإنسانية كوسائل ضغط مشروطة، بما يضمن بقاء الدولة في حالة إنهاك مؤسسي واقتصادي وأمني. وبهذا الشكل، تتحول الدولة تدريجياً إلى ساحة نفوذ مفتوحة، تفقد قدرتها على اتخاذ قرار سيادي مستقل، دون أن تنهار رسمياً. وتُعدّ الحالة السورية نموذجاً بالغ التعقيد لآليات الاستنزاف طويل الأمد للدولة في ظل تداخل كثيف للمصالح الدولية والإقليمية. فمنذ اندلاع الصراع في أعقاب الثورة السورية ضد نظام الأسد البائد، اتسمت مقاربات الفاعلين الخارجيين بدرجة عالية من التباين وعدم الاتساق، حيث تراوحت السياسات الدولية بين دعم مسارات سياسية غير مكتملة والانخراط غير المباشر في إدارة موازين الصراع، ما أسهم في إطالة أمد الأزمة لأكثر من أربعة عشر عاماً، ومنع الوصول إلى تسوية سياسية حاسمة إلى أن انتهى ذلك بسقوط نظام الأسد البائد وتفكك بنيته السلطوية في نهاية المطاف على يد فصائل المعارضة السورية. وقد انعكس هذا المسار الطويل من الصراع والاستنزاف على بنية الدولة السورية، التي تعرضت مؤسساتها، واقتصادها، ونسيجها الاجتماعي لتآكل عميق، إلى جانب إضعاف قدرتها على بسط سيادتها الفعلية على كامل أراضيها. وفي مرحلة ما بعد سقوط الأسد، بدأ الشعب السوري والنظام السوري الجديد الجهود المضنية لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها الوطنية، إلا أن سوريا الجديدة لا تزال تواجه تحديات كبيرة، بما في ذلك معالجة الانقسامات المجتمعية العميقة، وإعادة استقرار الاقتصاد، وبناء جهاز إداري قوي قادر على خدمة السوريين، والتعامل مع المخاطر السياسية المرتبطة بالتوازنات الإقليمية والدولية. ورغم هذه الانفراجة في بدء عملية البناء، يبقى الطريق نحو استعادة الوحدة الوطنية وإعادة البناء المؤسسي عملية دقيقة ومعقدة، تتطلب وقتاً وجهداً مستمرين لضمان استقرار الدولة على المدى الطويل. إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل تأثير قوى الشد العكسي داخل الدولة، وهم أصحاب المصالح الشخصية الذين يمتلكون نفوذًا مؤسسياً داخل دوائر صنع القرار، ما يمكّنهم من حماية مواقعهم وحصانتهم، حتى على حساب المصلحة العامة. تعمل هذه القوى على إعاقة الإصلاحات، وتعطيل المساءلة، وتحويل القرار العام إلى أداة لخدمة مصالح ضيقة، الأمر الذي يضاعف من حدة التآكل الصامت، ويزرع الإحباط بين الكفاءات الوطنية، ويُضعف الثقة بالمؤسسات، فتتراجع كل محاولات الإصلاح الجاد. لذلك، فإن الطريق نحو استعادة التوازن يبدأ من الداخل، عبر تعزيز مؤسسات الدولة على أساس معايير الكفاءة والجدارة، وبناء منظومة شفافة لإدارة المال العام، وتمكين الخبراء وأصحاب الرأي من المشاركة في صنع القرار. فالدولة التي تجمع بين العدالة والنزاهة والكفاءة المؤسسية تكون أكثر قدرة على الصمود أمام الضغوط الدولية، وحماية سيادتها الوطنية، وصون مصالح أفرادها في نظام دولي متغير ومعقد. وفي المحصلة، فإن أخطر ما يهدد الدول في العالم المعاصر ليس التهديد العسكري المباشر فحسب، بل الانهيار الصامت الذي يبدأ من الداخل عندما يُستبدل العدل بالمصالح الضيقة، وتُستباح الموارد العامة، ويُقصى أصحاب الخبرة والكفاءة. فالدول لا تسقط فجأة، بل تُستنزف بصمت حتى تفقد قدرتها على الدفاع عن نفسها؛ وإن حماية أي دولة تبدأ من حماية مؤسساتها وقيمها، وترسيخ سيادة القانون والحكم الرشيد، وهو السبيل الأمثل لتجنب تكرار تجارب انهيار دول عبر التاريخ. .