وزير العدل اللبناني لـ «عكاظ»: مواقف السعودية لا تنسى.. ولا تراجع عن نزع سلاح «حزب الله»

جرت أقدار السياسة والتاريخ بأن يكون الرجل الذي استُهدف منزله وعائلته من قبل جيش حافظ الأسد وعائلته في 1978 و1981، أحد صناع العلاقة اللبنانية السورية، ولعل هذا من نوادر السياسية ومفارقاتها!وزير العدل اللبناني عادل نصار أحد أبرز من يصيغ الآن العلاقة القضائية اللبنانية السورية المليئة بالإشكالات والتناقضات وأعباء الماضي الأليم، يعمل على إيجاد صيغ قانونية للتعامع مع عدة قضايا سورية لبنانية وعلى رأسها قضية المسجونين السوريين والجدل الذي لحق بها في الآونة الأخيرة.نصار الذي درس القانون في الجامعة اليسوعية في بيروت، وتابع دراسته في جامعة هارفارد في الولايات المتحدة، وأكمل دراسة القانون في جامعة باريس الثانية، يعمل جاهداً وبحرص واضح لإيجاد الإطار القانوني لحل المسائل بين سورية ولبنان، مع تأكيده على احترام السيادة والقانون.حارس بوابة القانون الوزير نصار التقته «عكاظ» في حديث مطول عن العلاقات السعودية اللبنانية، وتسليم سلاح «حزب الله»، ومستقبل العلاقات السياسية بين بيروت ودمشق في ظل العهد السوري الجديد، فإلى التفاصيل: **media[2645251]**دور سعودي لا يمكن إنكاره • كيف ينظر لبنان إلى دور السعودية في دعم استقراره؟•• لا يمكن إنكار وقوف السعودية إلى جانب لبنان كدولة ودعمها له، ولا يمكن إلا أن يكون لبنان شاكراً ومعترفاً بجهود المملكة المبذولة على الأصعدة المادية والمعنوية في مواجهة الأزمات التي عصفت -ولا تزال تعصف- بلبنان، عبر مساعدة الدولة بشكل مباشر، ونلمس اليوم رغبة واضحة من المملكة ومن دول العالم في مساعدة لبنان، مقابل القيام بإصلاحات محددة، وقد باشرنا فعلياً بذلك؛ لأنه يحقق مصلحة مباشرة للبنانيين. لا مبرر لعدم تسليم السلاح • لو انتقلنا لقضايا الداخل اللبناني.. ما زال «حزب الله» يماطل بتسليم السلاح.. فهل هناك مبرر لذلك؟•• بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان والدمار الذي تسبب به الاحتلال الإسرائيلي، لا مبرر لعدم تسليم سلاح «حزب الله»؛ فهذا السلاح لا يساهم في إحداث أي توازن، وليس رادعاً لاعتداءات إسرائيل على لبنان، وموقف لبنان واضح ويتمثل في الرفض القاطع للانجرار لأي مواجهة عسكرية محكومة بالخسارة، تبعاً لقوة إسرائيل التي تفوق قدرة «حزب الله» على هذه المواجهة وباعترافه، والقوة الفعلية تنبثق من مواجهة الاعتداءات وفقاً لنقاط قوتنا، والتي لا تتحقق إلا باكتمال أركان الدولة اللبنانية وامتلاكها حصرية القرار والقوة، وفرض ذلك عبر المحافل الدولية والقنوات الدبلوماسية، وحتى اليوم لم تُتح الفرصة الحقيقية للبنان لمواجهة المخاطر عبر هذه القنوات، نظراً لكون الدولة اللبنانية منقوصة القرار منذ 1975 بوجود جيش التحرير والجيشين السوري والإسرائيلي على أراضيها ووجود «حزب الله» كقوة موازية للسلطة، ولكن فيما لو اكتملت أركان الدولة اللبنانية، يصبح موقعها التفاوضي وفي المواجهة الدبلوماسية مختلفاً كلياً، وحالياً بدأت مجريات تسليم سلاح «حزب الله»، إذ ينهي الجيش اللبناني مهمته في جنوب الليطاني. **media[2645252]**لا رجعة عن نزع السلاح• البعض يرى أن الحزب بدأ تدريجياً بتسليم سلاحه للجيش.. فلماذا يستمر في الانتقاد؟•• الحقيقة أن «حزب الله» ليس ميسراً للعملية، ولكن حين يدخل الجيش اللبناني لأخذ السلاح من مركز ما، لا تتم مواجهته بالعسكرة بل بالتسليم، في حين المطلوب منه أن يكون مسهلاً وأكثر مرونة، لأن بناء الدولة اللبنانية ليس مهمة طرف دون الآخر، وهي الضمان الأوحد للبنانيين كافة، ووجود دولة لبنانية قوية وصاحبة القرار دون قوة موازية، يجعلها أكثر قدرة على المواجهة وفرض الوجود في المحافل الدولية، ولا يمكن القبول بعدم حصر السلاح بيد الدولة، ثم مطالبتها بالقيام بدورها الدبلوماسي، ما يجعل من ضرورة اقتناع «حزب الله» بتسليم السلاح لصالح بناء الدولة اللبنانية لا عرقلتها، ولمنح الدولة وسيلة للقيام بدورها في المحافل الدولية، على الجميع أن يختار الدولة اللبنانية.. ولكن في جميع الأحوال فإن قرار نزع السلاح اتُخذ ويجب تطبيقه مهما كانت المواقف والظروف. حكومات سابقة لم تكن صارمة • لكن دعوات تسليم السلاح من قبل الحكومات اللبنانية لم تؤدِ إلى حل؟•• لا هذا ليس دقيقاً، الحكومات السابقة لم تتخذ موقفاً صارماً من هذا الموضوع، فكانت تارة تقول كلاماً مبهماً أو قابلاً لازدواجية القرار والتأويل، إذ كانت هذه الثلاثية التاريخية المتمثلة بـ«الشعب، الجيش، المقاومة» مبنية على منطق مغاير لمنطق حديث الدولة اليوم، فالحكومة اللبنانية الحالية -خلافاً للحكومات السابقة- لديها قناعة متبلورة من رئيسَي الحكومة نواف سليم، والدولة جوزيف عون، والوزراء؛ بعدم القبول بالازدواجية، ولذلك تم التأكيد على حصرية السلاح بيد الدولة في خطاب قسم الرئيس، كما ورد في البيان الوزاري كأحد أهم أهداف الدولة اللبنانية، وحين تم وضع البيان الوزاري تم التأكيد على أهمية بناء دولة بكامل مقوماتها معترف بها، تتمثل بوجود الشعب والجغرافية والحدود وحصرية القوة بيد السلطة تحت سقف القانون، ومع تكرار هذا المفهوم في البيان الوزاري والإشارة الواضحة وغير القابلة للتأويل إلى وجوب حصر السلاح بيد الدولة، تمت الموافقة بالإجماع عليه، ومُنحت الحكومة الثقة بناء على هذا المشروع، حتى من قبل نواب «حزب الله»، إذ كان البيان الوزاري واضحاً وموجهاً في هذا السياق، وأي تغير في المواقف يُعتبر خروجاً عن الموضوع فقد تم التوافق عليه سابقاً. تداعيات سقوط الأسد• كيف انعكس سقوط نظام الأسد على لبنان؟•• لا شك أن لبنان عانى الكثير من النظام السوري السابق، حتى أنه على الصعيد الشخصي، تعرض منزلي للقصف عام 1978 وتكرر القصف في 1981، وأصيب أحد أفراد أسرتي، ولكننا اليوم كدولتين جارتين، نبني علاقاتنا على احترام كل منا لسيادة الآخر، ولا أعتقد أن الحكومة السورية الحالية، توجه أنظارها نحو انتقاص سيادة لبنان، ولمست ذلك خلال ترؤسي الوفد اللبناني في اجتماع مع الوفد السوري برئاسة وزير العدل، ومن المؤكد وجود أكثر من إشكالية مع النظام السابق، نتمنى عدم وجودها مع الحكومة الحالية، وبناء علاقات جوار جيدة، قائمة على احترام كل طرف سيادة الآخر لمصلحة الطرفين، فالجوار يفرض على الدولتين التوافق لوجود المصالح المشتركة. • هل هناك هواجس في لبنان من الوضع في سورية؟•• في ما يتعلق بالهواجس في الأوساط اللبنانية من تحول الدولة الجديدة إلى نسخة من النظام السابق وتحرشها مجدداً بلبنان، يمكن القول إن الصدمة أمر مشروع عند الشعوب في حال الإشكالات، والهواجس طبيعية، ودورنا اليوم يتمثل في تبديد هذه الهواجس من كلا الطرفين، عبر مواقف ضامنة تبدد القلق من العودة لأخطاء الماضي، وقد لمست وعياً تاماً من الطرف السوري المتمثل بوزير العدل والوفد المرافق له لهذه الهواجس ورغبتهم في تبديدها، ما يبث تفاؤلاً ببناء الثقة اللازمة والتطمينات، لضمان راحة الشعبين في ظل أداء الدولتين. قضية السجناء السوريين • ما أهم القضايا العالقة بين الطرفين السوري واللبناني؟•• أعلم أنك تقصد قضية السجناء السوريين في لبنان، وقد تمت مناقشتها مع الوفد السوري، مع التأكيد أن لبنان يرفض اعتقال أي شخص أو ملاحقته تبعاً لرأيه أو موقفه السياسي، كما أن لبنان يعاني من اكتظاظ بالسجون غير المرتبطة بجنسية معينة، وهذا عائد لعوامل عدة في كثير من بلدان العالم، التي توجه اهتمامها نحو دعم منشآت أخرى، والأمر يستدعي التخفيف من عدد السجناء والموقوفين احتياطياً بانتظار المحاكمة، ولكن كل دولة لديها منظومة سياسية من جهة وأخرى قضائية وأمنية، والمنظومتان منفصلتان بفعل فصل السلطات. اتهامات بالعرقلة • إلى أين وصل موضوع السجناء خصوصاً بعد اللقاءات المتكررة مع الجانب السوري؟•• حين طُرح موضوع السجناء أوضحت أن هناك سجناء محكومين وآخرين ملاحقين، ما يستوجب نقل المحكومين منهم إلى سورية ضمن اتفاقيات سهلة وسوابق في هذا السياق، أما نقل السجناء كافة بمن فيهم الملاحقون، فلا توجد اتفاقيات تنص عليها إلا في نطاق ضيق بأروربا، وعرضت أن أعمل على إيجاد أسس قانونية لحل هذا الإشكال وفق اتفاقية ما، فليست هناك صلاحية تمنح أي مسؤول مثل هذا القرار..وبناء على ما تقدم عملنا على هذا الإطار القانوني وعرضنا المشروع على هيئة التشريع والاستشارات وتمت الموافقة على مضمونه، ما يعني إيجاد الإطار المؤسساتي والقانوني لمعالجة هذه المسألة، وتم الاجتماع مع الوفد السوري وتداول المعطيات وطلب بعض التعديلات والنقاش بين الطرفين، وتم التطرق إلى استثناء القتلة سواء للعساكر أو المدنيين، والاغتصاب، وتتضمن الاتفاقيات معالجة المحافظة على الحق الشخصي والمحافظة على السيادة وما إلى ذلك، وطالب الطرف السوري في ما بعد بعدم انتظار قرار مجلس النواب، ما يجعل أمر المحكومين قابلاً للتنفيذ، وتم في ما بعد الاتفاق على تنظيم اتفاقية تخص المحكومين وأخرى للملاحقين، وحدث سوء تفاهم في ما بعد على هذه النقطة، وصدرت في ما بعد مقالات في الصحف تتهمنا بالعرقلة، فيما كنا نحاول جاهدين إيجاد أفضل الحلول دون ضرب أسس القوانين مرعية الإجراء وضمان سلامة وإخراج هذه القرارات بطريقة سليمة قانونياً وتقنياً ضمن الصلاحيات المتاحة، ولكن المبادرة لا تزال قيد النقاش بين الطرفين. القرار ليس بأيدينا • وهل توقفت مسألة تسليم السجناء السوريين عند هذا الحد؟•• لم ينتهِ المسار حتماً، والجهود لا تزال مستمرة، ولا أرغب في تسميته إفراجاً وإنما نقل المحكومين أو الموقوفين للدولة الأخرى، عملنا على الإطار القانوني اللازم، جزء منه يُترجم من خلال إبرام اتفاقية لا تحتاج لإقرار مجلس النواب، وجزء لا يمكن تنفيذه إلا بعد مصادقة مجلس النواب، ولكن بالمضمون هذه اتفاقية ولكل فريق وجهة نظر، وتحتاج لاتفاق بين الطرفين، والرغبة في إيجاد الحل موجودة قطعاً، ولكن ضمن السيادة والقوانين مرعية الإجراء، لأن لا أحد يملك الصلاحية لمعالجة هذا الأمر بتوقيع أو قرار منفرد، يجب أن يكون هناك إطار قانوني، ولا يمكن للسلطة التنفيذية تقرير مصير الموقوفين، هذا الأمر بيد السلطة القضائية.ودعني أقول من جهتنا فإن الرغبة موجودة ولكن القرار ليس بأيدينا ولا من صلاحياتنا، وليس من حق وزير العدل أي قرار يتعلق بالإفراج عن أي موقوف لبناني أو غير ذلك. وضع المختفين قسراً • إذن ما القضايا العالقة حالياً بين دمشق وبيروت؟•• من القضايا العالقة بين الطرفين، وضع المختفين اللبنانيين قسراً في سورية، وقضية اللبنانيين الفارين من العدالة إلى سورية، والمطالبة بالمعلومات المتوفرة لدى السلطات السورية من إرث النظام السابق، والتي يمكن أن تساهم في التحقيقات بلبنان والمرتبطة بأعمال أمنية من اغتيالات وتفجيرات من 2005 حتى اليوم، وتشمل سمير قصير وبيار غسان تويني ووليد عيدو وغيرهم.. إلى لقمان سليم، علماً بأنه يمكن ألا تتوفر مستندات واضحة، ولكن نطالب بأي مستندات يمكن أن توفر معلومات للمحققين العدليين الذين تم تعيينهم لكل ملف، فالموضوع ضروري جداً للبنان ويمثل إدانة للنظام السوري السابق، وخلال المباحثات بين الطرفين، كان موقف السلطة السورية من هذه الملفات إيجابياً، والرغبة في التعاون موجودة في ما يتعلق بالأطر المتوفرة لكلا الطرفين بطرق قانونية، وتجدر الإشارة هنا إلى ضرورة إدراك الجانب السوري أهمية هذه المتطلبات للبنان.وتجب الإشارة مجدداً إلى أهمية تخفيف الضغط على السجون في لبنان، ما جعلنا ننشئ قاعة محاكمة ملاصقة لسجن رومية، كإجراء يضمن تسريع المحاكمات دون تجاهل الأطر القانونية، والأمر هنا متعلق بالمحاكمات المتعلقة بمحافظة جبل لبنان التي تمتلك أكبر عدد من المحاكمات، في معالجة آنية لمشكلة نقل المحكومين التي كانت تعيق سابقاً المحاكمات، إذ كان عدد جلسات المحاكمات التي تكتمل لا يتجاوز 33% وأصبحت تقريباً 82%، فنحن معنيون بتسريع المحاكمات وتخفيف الاكتظاظ بالسجون، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه يتم إخلاء عدد، وبالمقابل توقيف عدد آخر في التوقيت ذاته، ولأسباب مغايرة، ما يجعل من الصعب تحديد بصورة دقيقة عدد الموقوفين. طي صفحة المشاركين في الحرب • ماذا عن ملاحقة اللبنانيين المشاركين في الحرب السورية؟ وكيف تنظرون إلى هذه المسألة؟•• قلت من قبل إن الرئيس السوري أحمد الشرع يرغب في طي هذه الصفحة، ورحبت بذلك، وأنا ضد مشاركة أي لبناني في الحرب في أي دولة أخرى، ولكن في السياسة أنا أرى أن من حق الشعب السوري أن يثور على النظام السابق الديكتاتوري الذي طال أذاه الشعب السوري واللبناني، متمنياً أن يتحقق السلم الأهلي في سورية، مع التأكيد على الاحترام المتبادل لسيادة كل دولة وعدم التدخل بشؤونها واحترام منظومتها القانونية.وزير العدل ليست مهمته الفصل في هذه الأمور، ولكن كما ترغب الحكومة السورية في استعادة محكوميها، كل دولة تعمل على حماية مواطنيها، ونص الاتفاقية التي يتم العمل عليها تشمل المحكومين اللبنانيين في سورية والسوريين في لبنان، وأكرر أنني ضد أي مشاركة لبنانية في حروب الآخرين وضد النظام السابق دون أي تردد، ولكن قانونياً البحث يكون وفقاً للدعاوى، ولا أسمح لنفسي البت في هذا الموضوع، وهنا يجب التفريق بين السياسة والقانون.