جدار حماية للأونروا.. الدور التركي الممكن وحدوده

ترك برس استعرض مقال للكاتب الصحفي الفلسطيني ماهر حسن شاويش، الهجمة الممنهجة التي تتعرض لها وكالة الأونروا، بوصفها محاولة سياسية وقانونية لتصفية ملف اللاجئين الفلسطينيين عبر إسقاط آخر إطار أممي يحفظ حقهم في الشرعية الدولية. ويحلل الكاتب خطورة هذه اللحظة، موضحًا أن استهداف الأونروا يتجاوز أزمة التمويل ليصل إلى إعادة تعريف القضية الفلسطينية كمسألة إنسانية قابلة للإلغاء. كما يناقش الدور المحتمل لتركيا في قيادة حراك دولي يشكّل جدار حماية للوكالة، مستندًا إلى موقعها السياسي وخبرتها المؤسسية. وؤكد على أن حماية الأونروا يجب أن تترافق مع إصلاحها، وأن نجاح أي مبادرة تركية يظل مرهونًا بشراكة فلسطينية وعربية جادة تدرك حجم التهديد القائم. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة "عربي21": لم يعد السؤال المطروح اليوم: هل نختلف أو نتفق مع الأونروا؟ بل السؤال الحقيقي هو: هل نسمح بإسقاطها؟ فما تتعرض له وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) لم يعد أزمة تمويل عابرة أو حملة انتقادات موسمية، بل هجمة ممنهجة متعددة الأدوات، تستهدف تفكيك الوكالة سياسيا وقانونيا، تمهيدا لإسقاط ملف اللاجئين من المعادلة الدولية، وإعادة تعريفه كعبء إنساني لا كقضية حقوقية وسياسية. في هذا التوقيت بالغ الخطورة، تبرز تركيا بوصفها أحد اللاعبين القلائل القادرين نظريا وعمليا على قيادة حراك دولي يشكّل جدار حماية حقيقيا للأونروا. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل هذا ممكن فعلا؟ وهل لدى أنقرة ما يؤهلها لذلك؟ لماذا تُستهدف الأونروا الآن؟ الاستهداف الحالي للأونروا لا ينفصل عن السياق السياسي الأشمل. فإضعاف الوكالة يعني عمليا: نزع أحد أبرز الشهود الأمميين على نكبة مستمرة منذ عام 1948، وتفريغ حق العودة من مضمونه القانوني الدولي، واستبدال الحلول السياسية بترتيبات إغاثية مؤقتة وقابلة للإلغاء، وتحميل دول اللجوء أعباء اجتماعية واقتصادية تفوق طاقتها. بعبارة أوضح: تفكيك الأونروا هو الطريق الأقصر لتصفية قضية اللاجئين دون الحاجة إلى قرار دولي صريح. لماذا لا يمكن الاستغناء عن الأونروا؟ رغم كل الانتقادات المشروعة، تبقى الأونروا الجهة الوحيدة التي تقدم خدمات التعليم والصحة والإغاثة لملايين اللاجئين الفلسطينيين، والإطار الأممي الذي يربط هذه الخدمات باعتراف سياسي وقانوني بحقوق اللاجئين، وصمام أمان اجتماعي وإنساني في مناطق شديدة الهشاشة والانفجار أبرزها غزة وسوريا. وسقوط الأونروا لا يعني "تحسين الأداء عبر بدائل"، بل فتح فراغ خطير ستُملأ تداعياته إما بالفوضى، أو بالتوطين القسري، أو بتحميل اللاجئين كلفة سياسية جديدة. لماذا تُعد تركيا مرشحة لقيادة جدار حماية؟ تركيا ليست طرفا طارئا في ملف الأونروا، ولا لاعبا موسميا. فهي عضو تاريخي في اللجنة الاستشارية للوكالة، وتولّت رئاسة اللجنة الاستشارية عام 2018 في واحدة من أخطر مراحلها، وتضطلع بدور محوري في مجموعة العمل الخاصة بتمويل الأونروا، وقدّمت دعما ماليا وعينيا وسياسيا في لحظات تخلّي دول كبرى عن التزاماتها. والأهم من ذلك، أن العلاقة بين أنقرة والأونروا انتقلت من الدعم إلى المأسسة، مع الترحيب بإنشاء مكتب ارتباط للوكالة في أنقرة، ما يعكس رؤية تركية تعتبر الأونروا شريكا طويل الأمد، لا عبئا مؤقتا. اللقاءات الأخيرة للمفوض العام للأونروا فيليب لازاريني مع مسؤولين أتراك رفيعي المستوى، وفي مقدمتهم السيدة الأولى أمينة أردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان، تؤكد أن أنقرة تنظر إلى الأزمة باعتبارها معركة شرعية دولية، لا مجرد ملف إنساني. كيف يمكن لتركيا أن تقود هذا الحراك؟ قيادة جدار حماية للأونروا لا تعني أن تتحمل تركيا العبء وحدها، بل أن تستخدم موقعها السياسي والدبلوماسي لبناء تحالف دولي فعّال، عبر مسارات متوازية، أبرزها: - قيادة تحالف تمويلي مضاد للابتزاز يضمن حدا أدنى ثابتا من التمويل متعدد السنوات. - تثبيت شرعية الأونروا داخل الأمم المتحدة ومنع أي محاولات للالتفاف على ولايتها. - تحويل أنقرة إلى منصة دفاع دولية سياسيا وإعلاميا وأكاديميا. - تفعيل دور منظمة التعاون الإسلامي وتحويل التضامن إلى التزامات مالية قابلة للقياس. - قيادة مسار إصلاحي يحمي الوكالة ولا يهدمها. نعم.. الأونروا بحاجة إلى إصلاح الدفاع عن الأونروا لا يعني تقديسها، فالوكالة، كغيرها من المؤسسات الكبرى، تعاني من ضعف في الشفافية، وبيروقراطية متضخمة، وفجوات في آليات الرقابة والمساءلة. لكن الإصلاح المطلوب يجب أن يكون وسيلة لتعزيز المناعة، لا ذريعة للتفكيك أو للعقاب الجماعي. وهنا يمكن لتركيا أن تلعب دور "الضامن"، عبر الفصل الواضح بين مسار الإصلاح والحماية السياسية الواجبة. هل تستطيع تركيا فعل ذلك وحدها؟ الجواب الواقعي: لا. لكن في المقابل، غياب الدور التركي سيترك فراغا يصعب ملؤه. فتركيا اليوم من الدول القليلة التي تمتلك إرادة سياسية واضحة، وتملك أدوات دبلوماسية وتمويلية مؤثرة، وتدرك أن سقوط الأونروا يهدد الاستقرار الإقليمي برمته. غير أن نجاح هذا الدور يظل مشروطا بوجود شراكة فلسطينية وعربية مسؤولة، تتعامل مع الأونروا كقضية وطنية عليا، لا كساحة صراع داخلي أو مزايدات سياسية. ما الذي ينتظره اللاجئون الفلسطينيون من أنقرة؟ في هذه اللحظة المفصلية، يعلّق اللاجئون الفلسطينيون آمالهم على دور تركي يتجاوز التضامن اللفظي إلى فعل دولي ملموس. فاستهداف الأونروا لا يهدد مؤسسة إغاثية فحسب، بل يفتح الباب أمام تفكيك آخر إطار أممي جامع لقضية اللجوء الفلسطيني، وما قد يترتب على ذلك من كلفة سياسية وإنسانية باهظة. التعويل على تركيا هنا ليس رهانا عاطفيا، بل قراءة واقعية لعلاقة سياسية طالما قُدّمت بوصفها منحازة لحقوق الفلسطينيين، ومرتبطة وجدانيا وسياسيا بالقضية الفلسطينية. واللحظة الراهنة تمثل فرصة حقيقية لأنقرة لترجمة هذا الرصيد إلى قيادة حراك دولي يحمي الأونروا، ويُبقي قضية اللاجئين الفلسطينيين داخل إطار الشرعية الدولية. اللاجئون الفلسطينيون لا ينتظرون معجزات، بل موقفا يرقى إلى حجم الخطر. وإذا كانت هناك دولة قادرة على تحويل هذه اللحظة إلى نقطة تحوّل، فإن تركيا -إن أرادت- تستطيع أن تكون في مقدمة هذا المسار. الخلاصة نعم، يمكن لتركيا أن تقود حراكا دوليا يشكّل جدار حماية حقيقيا للأونروا، إذا انتقلت: من الدعم إلى القيادة، ومن ردّ الفعل إلى المبادرة، ومن التضامن اللفظي إلى بناء التحالفات. الأونروا اليوم ليست مجرد مؤسسة تحت النار، بل أهم خطوط الدفاع عن قضية اللاجئين داخل النظام الدولي. وحمايتها -مع إصلاحها- ليست خدمة إنسانية فحسب، بل معركة سياسية وأخلاقية بامتياز.