ترك برس تناول مقال للكاتب والإعلامي التركي إحسان أقطاش، التحولات المتسارعة في التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والعالم، في ظل تصاعد السياسات الإسرائيلية الخارجة عن القانون والدعم الأمريكي لها، والتي لم تعد تقتصر على فلسطين بل امتدت إلى نماذج صادمة كاختطاف رئيس دولة ذات سيادة. يركز الكاتب على الكيفية التي أدّت بها هذه السياسات إلى نتيجة معاكسة، تمثلت في تقارب الدول المؤسسية في المنطقة وبناء نواة نظام أمني وسياسي جديد، تقوده شراكات متنامية بين تركيا والسعودية ومصر وباكستان، مقابل تراجع النفوذ الغربي وتفكك التحالفات التقليدية، بما يشير إلى ولادة توازن إقليمي جديد تتجه فيه دول المنطقة إلى تقرير مصيرها بنفسها. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة يني شفق: كنا نظن أن دولة المافيا والخرق القانوني التي تمثلها إسرائيل ستظل محصورة في أعمالها وحدها، لكن عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي من قبل الولايات المتحدة أظهرت أن هذا الانتهاك صار سياسة عامة سائدة في هذه الحقبة. نشهد تغيّرًا شبه فوري في التوازنات الجيوسياسية في منطقتنا. فقد بدا في البداية أن لغة التهديد العالية التي انتهجتها إسرائيل مؤخرًا، مع أعمالها العسكرية غير المحدودة والخرق القانوني، ستخيف دول المنطقة وتجبر الجميع على الانعزال داخل حدودهم. ومع ذلك، اتضح في النهاية أن هذه التهديدات أنتجت أثرًا معاكسًا تمامًا: فقد أدركت الدول أنه عند مواجهة المخاطر، “الأمر أصبح على عاتقها”. أكثر ما كان مزلزلًا ومؤثرًا في هجمات إسرائيل ظهر في تحركاتها ضد إيران وقطر. فالتوتر المعروف بين إيران وإسرائيل والذي يمتد لحوالي أربعين عامًا ليس جديدًا، لكن مهاجمة قطر لاستهداف اللاعبين الرئيسيين في عملية التفاوض أحدثت انفجارًا هائلًا في الجغرافيا السياسية للمنطقة، موضحة أن أي دولة لم تعد تستطيع افتراض وجود “منطقة آمنة”. في هذا السياق، برزت بسرعة مسألة التعاون العسكري بين باكستان والمملكة العربية السعودية، إضافةً إلى مبدأ يشبه المادة الخامسة لحلف الناتو، القائل بأن أي هجوم على دولة يُعد هجومًا على التحالف بأكمله. بدا هذا الأمر للوهلة الأولى كأنه تطور عادي، لكنه في الحقيقة يشير إلى بدء بناء هيكل أمني جديد بصمت في المنطقة. وفي سوريا، أظهر الاحتلال الفوري لهضبة الجولان وامتداد الأراضي السورية من قبل إسرائيل إلى أي مدى يمكن أن تصل سياسات التوسع الإسرائيلية. هذا الموقف أصبح أحد القوى الدافعة التي تقرب الدول المؤسسية في الشرق الأوسط من بعضها البعض. كما لوحظ أن الإمارات العربية المتحدة، في محاولة لتقليد هذا الخط العدواني لإسرائيل، سعت للعب دور “الدولة المارقة”. محاولة فرض نفسها كقوة كبرى عبر التحركات العسكرية في خليج عدن واليمن والسودان خلقت توترًا كبيرًا في التوازنات الإقليمية، إلا أن استمرار هذا المسار يبدو الآن أقل احتمالية. شهدت الأيام الأولى لمذبحة غزة تقاربًا ملحوظًا بين مصر وتركيا. فالطابع المؤسسي للدولة يظهر هنا: رغم التوترات المؤقتة، فإن العقل الاستراتيجي وذاكرة الدولة يعيدان توجيه المسار على المدى الطويل. في المقابل، أسلوب الولايات المتحدة الأخير في التصرف لا يفرض الضغوط فقط على الشرق الأوسط، بل يضغط على العالم بأسره للبحث عن تحالفات جديدة. فالاختطاف المافياوي للرئيس الفنزويلي، دون أي مبرر ملموس سوى السيطرة على النفط والمعادن النفيسة، خلق شعورًا عميقًا بعدم الأمان خاصة في الدول الصغيرة والمتوسطة. في هذا الإطار، تبرز الدبلوماسية الدقيقة ومتعددة المستويات التي تتبعها تركيا بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان بنتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكنت تركيا، عمليًا بمفردها، من الحفاظ على استقرار ليبيا وحققت تقدمًا كبيرًا. تشكّل التنسيق بين تركيا ومصر والسعودية لمواجهة محاولات الإمارات لتقسيم السودان أحد أبرز الأمثلة على ذلك. وبالمثل، مع استمرار استثمارات تركيا الطويلة في استقرار الصومال، وقفت تركيا في قلب التضامن المؤسسي للدول مع السعودية ومصر وباكستان والعديد من الدول العربية ضد محاولات إسرائيل الاعتراف بصوماليلاند. الاجتماع الوزاري الذي عقد في الأردن، والذي أظهر موقفًا شبه موحد للدول الكبرى في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي تجاه قضية صوماليلاند، شكّل -كما أشار وزير الخارجية التركي خاقان فيدان- علامة رمزية على “استيقاظ الدول الإسلامية”. من جهة أخرى، تخلت الولايات المتحدة تقريبًا عن أوروبا في حرب أوكرانيا وروسيا، وهددت بغزو غرينلاند، مما خلق شرخًا كبيرًا داخل الناتو وأظهر عملية تفكك جدي للتحالف الغربي. وأضفت هشاشة مؤسسات الاتحاد الأوروبي على هذه الصورة مزيدًا من الثقل. في الأسبوع الماضي، اتخذت السعودية خطوات عسكرية ضد محاولات الإمارات المتعلقة بالجماعات الإرهابية في اليمن، وأنهت الوجود العسكري الإماراتي في الصومال، ما يعكس توجه الرياض نحو مسار أكثر استقلالية ونشاطًا في السياسة الدولية، وهذا ساعد على تحقيق توازنات إقليمية أفضل لمصلحة تركيا، خاصة على خط خليج عدن وأفريقيا. كما أن التقارب العسكري بين تركيا والسعودية وباكستان، الذي أشار إليه الإعلام العربي، بدأ بالفعل يحدث تأثيرات ملموسة على نطاق واسع من اليمن إلى أفريقيا. في هذا السياق، يبدو أن السياسات العدوانية والخارجة عن المألوف التي انتهجتها الإمارات بمحاكاة إسرائيل ستتلاشى سريعًا. كما ذكرت سابقًا أثناء رئاسة تركيا لمنظمة التعاون الإسلامي، فإن اتفاقية عدم اعتداء محتملة بين تركيا ومصر والسعودية وإيران وباكستان قد توفر أرضية قوية للتضامن على المدى الطويل. واليوم، في ظل الانسحابات الإيرانية الجزئية، يبدو أن التنسيق بين أربع قوى مؤسسية كبرى في العالم الإسلامي - تركيا والسعودية ومصر وباكستان - يجعل هذا الاحتمال أكثر واقعية. خلاصة القول: السياسات الإسرائيلية العدوانية وغير القانونية، المدعومة من الولايات المتحدة، أدت إلى نتيجة غير متوقعة في الشرق الأوسط؛ فقد بدأت الدول المؤسسية تقترب من بعضها، وتعمل القوى الإقليمية تدريجيًا على بناء توازن جيوسياسي جديد يمكّنها من تحديد مصيرها بنفسها. وتشير الأحداث إلى أن عملية هذا التقارب لم تعد بطيئة، بل تتقدم بسرعة فائقة.