حكومة المشاريع الكبرى… أم خطط جميلة بلا أثر؟ #عاجل

كتب - زياد فرحان المجالي لا يحتاج الأردني اليوم إلى خطابٍ يشرح له حجم التحديات، فهو يعيشها في فاتورة الماء، وفي الطريق المزدحم، وفي سوق العمل الذي يضيق بأحلام الشباب، وفي البلديات التي تتراكم حولها الأسئلة كما تتراكم النفايات في بعض الأزقة. الأردني لا يختلف مع الدولة في تشخيص اللحظة، لكنه يريد أن يرى ما هو أبعد من التشخيص: يريد "نتيجة”. ولهذا جاءت مقابلة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان مع التلفزيون الأردني، كأنها محاولة واعية لإعادة تعريف الحكومة أمام الناس: ليست حكومة ردّات فعل، وليست حكومة ترقيع، بل حكومة مشاريع كبرى، تريد أن تشتبك مع المستقبل لا مع تفاصيل اليوم فقط. غير أن السؤال الحقيقي الذي تُنهيه المقابلة ولا تبدأه هو ذاته سؤال الأردنيين الآن: هل تكفي لغة المشاريع لتصنع الثقة؟ أم أن الثقة لا تُصنع إلا حين تتحول المشاريع من عناوين إلى أثرٍ ملموس في حياة الناس؟ 1) الحكومة كما أرادت أن تُقدِّم نفسها: عقل الدولة لا عقل الترقيع في هذه المقابلة، لم يتحدث جعفر حسان كرئيس وزراء يطلب وقتًا، بل كرئيس حكومة يريد تثبيت هوية سياسية وإدارية لحكومته. كان واضحًا أن الرسالة الرئيسية هي: "نحن حكومة مشاريع كبرى… ولسنا حكومة ترقيع”. وهذه ليست جملة إنشائية، بل اتجاه عملٍ كامل، يحمل ثلاث إشارات عميقة: أولًا: أن الحكومة تتعامل مع الأردن باعتباره دولة تحتاج تحوّلًا، لا مجرد اقتصاد يحتاج إدارة أزمة. ثانيًا: أنها ترى أن الحل ليس في تغيير الوجوه ولا في المناورات السياسية، وإنما في برنامج واضح يشتبك مع ملفات البنية التحتية الكبرى: مياه، طاقة، نقل، إسكان، سياحة، وبناء. ثالثًا: أنها تحاول نقل معيار تقييمها من معيار الشعبوية السياسية إلى معيار الأرقام والإنجازات والآثار القابلة للقياس. هنا تحديدًا تظهر فلسفة حكومة حسان: حكومة تُدير المستقبل، لا حكومة تُدير اليوم فقط. لكن هذه الفلسفة لا تنجح وحدها، لأنها إن لم تتحول إلى نتائج مرئية، ستُقرأ عند الناس كترف تنظيري، في بلدٍ تُرهقه التفاصيل اليومية. 2) البرنامج التنفيذي الثاني: الحكومة تُراهن على منهج لا على خطاب من أهم ما قاله الرئيس إن البرنامج التنفيذي الثاني سيُطلق قريبًا ويشتمل على عشرات المبادرات والبرامج والتشريعات. وهذا يعني أن الحكومة لا تريد أن تُعامل كحكومة ردّات فعل موسمية، بل كحكومة مؤسسية تسير بخطة. البرنامج التنفيذي هنا ليس ورقة علاقات عامة، بل محاولة لصناعة "منهج حكم” قائم على: تحديد المبادرات، ووضع إطار زمني، وتحديد أثرٍ قابل للقياس، ثم متابعة حقيقية لا تتوقف عند التصريحات. هذه المقاربة متقدمة إداريًا، لكنها تصطدم بتحدٍّ صلب في الأردن: المواطن لا يقرأ البرامج، بل يقرأ حياته اليومية. ولهذا فإن أي برنامج تنفيذي—مهما كان جيدًا—لا ينجح سياسيًا إلا إذا تُرجم إلى واقعٍ بسرعة، ولو على شكل إنجازات جزئية متتالية. 3) الميدان كمدرسة: صناعة الشرعية من خارج المكاتب حين قال جعفر حسان: "العمل الميداني أسلوبي ومدرستي”، لم يكن يدافع عن جولات بروتوكولية، بل كان يربط شرعية الحكومة بمفهوم النزول للناس. 130 موقعًا زارها الرئيس خلال عام واحد، رقم مقصود في المقابلة لأنه يُوظَّف سياسيًا في اتجاهين: يرسل رسالة أن الحكومة "موجودة” و”تسمع”، ويُظهر صورة حكومة تلاحق الإدارات التنفيذية وتضغط عليها. لكن النقطة الأهم ليست عدد المواقع، بل ما سماه الرئيس "إحداث تغيير إيجابي” في كل موقع. وهنا يتم نقل صورة الحكومة من جهاز قرار إلى جهاز متابعة. غير أن هذه المدرسة لها امتحان واضح: إذا لم يشعر الناس بتحسن في الخدمات، ستتحول الجولات إلى مادة تشكيك لا إلى نقطة قوة، لأن الأردني يميّز بسرعة بين زيارة تُغيّر الواقع وزيارة تُغيّر الصورة فقط. 4) قرار السرطان: نموذج النتيجة التي تُبنى عليها الثقة أقوى نقطة إنجازية في المقابلة كانت بلا منازع قرار تأمين أكثر من أربعة ملايين أردني في مركز الحسين للسرطان. هذا القرار يمس الإنسان مباشرة، وله أثر نفسي واجتماعي كبير، ويقيسه الناس فورًا، لأنه يشبه الدولة الحامية لا الدولة الجابية. في بلد تتعبه كلفة العلاج، يصبح تأمين علاج السرطان قرارًا يشتغل على "الكرامة” قبل أي شيء. وإذا أرادت الحكومة بناء سرديتها على إنجاز ملموس، فهذا القرار يصلح أن يكون حجر الأساس: لأنه يثبت أن الحكومة قادرة على اتخاذ قرار كبير واضح يلامس المواطن، لا أن تكتفي بخطط بعيدة المدى. 5) مشاريع الـ 11 مليار دولار: لغة الدولة… لكن الشارع يريد خبزه اليوم حين طرح جعفر حسان مشاريع بقيمة 11 مليار دولار، كان يريد رسم صورة مفادها أن العام الحالي "عام بناء”، وأن الأردن سينتقل من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التنفيذ. لكن الحقيقة أن هذه المشاريع ليست "خبرًا” بل "وعدًا سياسيًا”. والوعد السياسي لا يتحول إلى رأس مالٍ سياسي إلا إذا ترافق مع خطوات واضحة: تمويل حقيقي، إغلاقات مالية، عطاءات معلنة، وجدول زمني شفاف، وتقارير تقدم دورية. لذلك فإن الحكومة—بحديثها عن هذا الرقم الضخم—رفعت سقف التوقعات، ورفعت معه سقف المحاسبة. وإذا تعثرت هذه المشاريع أو تأخرت، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لحكومة "مشاريع كبرى” هو أن تتحول إلى حكومة عناوين كبرى بلا أثر، وعندها تنهار السردية التي أرادت بناءها. 6) الناقل الوطني: مشروع مصداقية أكثر من كونه مشروع ماء في الأردن، ملف المياه ليس ملفًا خدميًا فقط، بل ملف أمن وطني. والناقل الوطني، كما وصفه الرئيس، مشروع ضخم للتحلية والضخ والأنابيب، مع تسليم متوقع نهاية عام 2030. لكن القيمة السياسية للناقل الوطني ليست في 2030 وحدها، بل في قدرة الحكومة خلال 2026 و2027 على بدء التنفيذ الفعلي. إعلان الإغلاق المالي خلال ستين يومًا مع الجهات المانحة والمستثمرة إعلان خطير، لأنه قابل للتحقق أو للتكذيب بوقائع الزمن. لهذا لا يمكن للحكومة التعامل مع الناقل الوطني كملف عادي: إنه ملف مصداقية يختصر سؤال الناس: هل تُنفذ الحكومة ما تقول أم أنها مثل حكومات سابقة تُعلن ثم تؤجل ثم تبرر؟ 7) الريشة والغاز: هدف اقتصادي لكنه يحتاج أثرًا سريعًا عندما أعلن الرئيس هدف تغطية 80% من حاجات القطاعات من الغاز الطبيعي من حقل الريشة بحلول 2030، فإنه يلمّح إلى تحول في فلسفة الطاقة الأردنية. هذا ملف مهم لأنه يرتبط بتخفيض كلف الصناعة، وتحسين تنافسية الاقتصاد، وتقليل فاتورة الاستيراد، وتوسيع فرص العمل. لكن المواطن لن يشعر بأثر الغاز كخبر. سيشعر به فقط إذا تحول إلى واقع اقتصادي: كلفة أقل، إنتاج أعلى، مصانع أكثر، وأيدٍ عاملة أردنية تُشغَّل بالفعل. 8) السكة الحديد: اختبار الربط الإقليمي في زمن التحولات الجملة الأكثر دلالة كانت: "مشروع السكك الإقليمي أمر حاصل”. هذه ليست مجرد رؤية نقل، بل قراءة استراتيجية لطبيعة المنطقة: طرق التجارة تتغير، وممرات الطاقة تتغير، والشرق الأوسط يُعاد تشكيله اقتصاديًا. إذا دخل الأردن في منظومة السكك الإقليمية سيصير جزءًا من اقتصاد النقل والخدمات اللوجستية، وسيحمي موقعه الجغرافي من التهميش. أما إذا تأخر، فقد يجد نفسه خارج المسارات التي سترسمها الدول الأخرى. ولهذا، حديث الرئيس عن السكك ليس فقط عن مشروع، بل عن حماية موقع الأردن في خرائط المستقبل. 9) مدينة عمرة: حساسية العنوان وخطورة سوء الفهم من الملفات التي تحتاج تواصلًا سياسيًا ذكيًا: مشروع مدينة عمرة. لأن الشارع شديد الحساسية تجاه أي مشروع قد يُفهم خطأ على أنه عاصمة جديدة أو مدينة للنخبة. لهذا أكد الرئيس أنها ليست عاصمة جديدة ولا عاصمة إدارية. لكن النجاح هنا ليس في نفي الشائعة فقط، بل في بناء قناعة شعبية بأن المشروع يخدم الإسكان، والمتقاعدين العسكريين والمدنيين، وأبناء لواء الموقر، ويشكل حلًا طويل الأمد للضغط السكاني المتوقع على عمّان والزرقاء. إن لم يُشرح المشروع جيدًا، سيصبح سلاحًا سياسيًا ضد الحكومة. وإن أُدير بذكاء وشفافية، فسيصبح جزءًا من إرثها التنموي. 10) البلديات: اختصار الأزمة بكلمة واحدة "إدارية” قول الرئيس إن "مشكلة البلديات إدارية” يكشف عقل الحكومة: ضبط، رقابة، محاسبة، وإعادة تنظيم. لكنه ملف ملغّم لأن البلديات ليست إدارة فقط؛ إنها نفوذ محلي، وتوازنات انتخابية وعشائرية، واقتصاد خدمات متشابك. لذلك هذا الملف سيكون نقطة اشتباك حقيقية مع مصالح راسخة. والنجاح فيه لا يتحقق بقرارات فنية فقط، بل يحتاج إرادة سياسية، وحوارًا ذكيًا مع النواب والمحليات، وشجاعة في إصلاح قطاع طالما بقي خارج الإصلاح الحقيقي. 11) غزة والسياسة الخارجية: تثبيت موقع الأردن وإدارة الملف بحذر في الملف الخارجي، أعاد الرئيس تثبيت أولوية الأردن: وقف إطلاق النار في غزة والانتقال إلى المرحلة الثانية بسرعة. كما قال عبارة بالغة الدلالة: "وجود الشعب الفلسطيني على أرضه وصموده هو أكبر تعبير عن المقاومة”. وهي صياغة تجمع بين دعم الحق الفلسطيني وبين خطاب الدولة المسؤولة. الخلاصة: ما بين لغة المشاريع ومقياس الناس حكومة جعفر حسان تقدّم نفسها كحكومة مشاريع وبرامج، لا حكومة ترقيع. وهذا خيار جريء، لكنه يحمل ثمنه: إما أن تخرج المشاريع إلى الواقع بسرعة فيشعر بها المواطن، وإما أن تبقى عناوين على الورق فتتحول إلى عبء سياسي. الناس في الأردن لن تتجادل طويلًا في التعريفات. ستسأل عن النتيجة: هل تحسنت الخدمات؟ هل انخفضت الكلف؟ هل ظهرت فرص عمل؟ هل بدأ الناقل الوطني؟ هل تحركت السكك؟ هل صارت البلديات أكثر كفاءة؟ إذا بدأت النتائج على الأرض ولو تدريجيًا، ستصبح هذه الحكومة "حكومة أثر”. أما إذا بقيت المشاريع مجرد عناوين، فسيُقال عنها ما يخشاه كل رئيس حكومة: إنها حكومة خطط جميلة… بلا أثر. .