لم تعد غزة مجرد قضية إنسانية أو جرح عربي مفتوح بل تحولت في كثير من الأحيان إلى أداة سياسية يعاد توظيفها وفق مصالح القوى الكبرى لا وفق مصلحة الدم الفلسطيني وحين ترفع إلى واجهة الخطاب الإعلامي في توقيت محدد ويسحب الضوء عن كوارث أخرى يصبح السؤال مشروعًا هل القضية تنصر أم تستخدم التضليل لا يقوم على الكذب وحده بل على انتقاء الحقيقة وإدارة العاطفة يسمح بالغضب ضمن سقف مرسوم ويشجع التعاطف شرط غياب السؤال عن المستفيد من استمرار النزيف وحين تختزل القضية في مشهد دم متكرر بلا أفق سياسي تتحول من مشروع تحرر إلى ورقة ضغط مؤقتة الحديث عن الاستقلال العربي في هذا السياق يبدو وهمًا فالدولة التي لا تملك قرارها الاقتصادي ولا سيادتها الإعلامية ولا خطابها المعرفي لا يمكن أن تكون مستقلة وحين يقصى العلماء ويهمش الفكر ويفتح المجال للتفاهة فإن ذلك سياسة واعية لتفريغ المجتمعات من قدرتها على الفهم والمساءلة في هذا الفراغ يعاد تشكيل الوعي الجمعي ليصبح عاجزًا عن الربط بين ما يحدث في غزة وما يجري في الصومال وعزة وغيرها تجزأ المآسي ويمنع العقل من رؤية الخيط الناظم بينها إنهاك المنطقة وإبقاؤها في صراع دائم يبرر التدخل الخارجي ويمنع النهوض الحقيقي إسرائيل لم تعد تخفي مشروعها التوسعي والتصريحات عن تسمينها ليست زلات لسان بل تعبير صريح عن منطق استعماري يرى في الأرض العربية موردًا مفتوحًا وفي النفط أداة هيمنة ومن يملك الطاقة يملك قرار الحرب والسلم أما الدور الأمريكي فليس رعاية سلام بل إدارة مصالح تضمن تفوق إسرائيل وتبقي الدول العربية في حالة تبعية دعم الأنظمة أو إسقاطها ليس مسألة قيم بل حسابات نفوذ وكل حديث عن حقوق الإنسان يسقط حين يتعارض مع أمن إسرائيل تبقى غزة في قلب العاصفة تقصف وتحاصر ثم تستدعى صورتها كلما دعت الحاجة السياسية لا يراد لها التحرر بل البقاء جرحًا مفتوحًا لأن السلام الحقيقي يربك مشاريع السيطرة الوعي هو المعركة الأولى فالتعاطف وحده لا يكفي والغضب غير الموجه قد يخدم الخصم دون أن يشعر صاحبه ومن يفهم توظيف غزة يفهم ما يجري في المنطقة بأكملها. .