شفق نيوز- بغداد تصاعدت التوترات بين واشنطن وطهران بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على أي دولة تتعامل تجارياً مع إيران، في خطوة تهدف للضغط على شركاء طهران الاقتصاديين، بما في ذلك العراق، فيما تدرس واشنطن كيفية الرد على الأوضاع داخل إيران، التي تشهد أكبر احتجاجات مناهضة للحكومة منذ سنوات. وتأتي هذه الرسوم في وقت يواجه فيه العراق صعوبات كبيرة في الموازنة بين التزاماته الإقليمية مع إيران والضغوط الأميركية، لا سيما في مجالات الطاقة والتجارة، التي تشكل روابط حيوية مع الجمهورية الإسلامية. ويقول خبراء عراقيون إن القرار الأميركي الأخير قد يضع بغداد أمام معضلة صعبة بين الاستمرار في علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع طهران، أو الانحياز إلى السياسات الأميركية بما قد يعرضها لصدامات سياسية داخلية وخارجية. وفي هذا السياق، تشير البيانات إلى أن حجم التجارة بين العراق وإيران يتجاوز 13 مليار دولار سنوياً، مع اعتماد العراق على الغاز والكهرباء الإيراني لتغطية نحو 40% من احتياجاته، ما يزيد من هشاشة الموقف العراقي أمام أي ضغوط خارجية. مأزق التوازن ويوضح رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري أن العراق لا يستطيع الموازنة بسهولة بين قرارات واشنطن والتزاماته تجاه إيران، مشيراً إلى أن "حلفاء إيران يسيطرون على المشهد السياسي في العراق ولديهم نحو 165 نائباً ما يقلل قدرة الحكومة على اتخاذ مواقف متوازنة". ويضيف الشمري لوكالة شفق نيوز أن العلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري بين العراق وإيران تزيد على 13 مليار دولار، مع وجود شركات إيرانية نشطة في السوق العراقية في ظل اعتماد التجار العراقيين على إيران وأهمية واردات الغاز والكهرباء. "في ظل قرار الرئيس الأميركي الأخير، سيكون العراق أمام خيار هل سيستمر في علاقاته الأمنية والاقتصادية مع إيران، أم سينحاز ويلتزم بسياسة الضغط الأقصى التي تفرضها واشنطن على النظام الإيراني؟"، يتساءل الشمري. المستقبل السياسي من جانبه، يؤكد رئيس المركز العربي الأسترالي للدراسات الإستراتيجية، أحمد الياسري، أن مستقبل الموازنة العراقية يعتمد على طبيعة النخبة السياسية التي سينتجها الإطار التنسيقي (الذي يجمع القوى السياسية الشيعية الحاكمة في البلاد)، فإذا كانت نخبة تصعيدية فإنه يصعب على العراق الموازنة وقد ينخرط في صراع مباشر. ويضيف الياسري لوكالة شفق نيوز أما إذا كانت نخبة هادئة مثل محمد شياع السوداني أو حيدر العبادي، فقد ينجح العراق في الحفاظ على توازنه وتجنب الاستهداف المباشر إلا إذا أصبح داعماً لإيران اقتصادياً أو أمنياً، منوهاً إلى أن "العراق ليس على دائرة الاستهداف الآن، لكن أي انحياز واضح قد يغير هذه المعادلة". الارتباط الإيراني في المقابل يرى عارف الحمامي، القيادي في ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، أن القرارات الأميركية الأخيرة تثير تذمراً عالمياً حتى من حلفاء واشنطن، معتبراً أن هذه القرارات "متهورة ولا تمت للواقع". ورغم ذلك يؤكد الحمامي لوكالة شفق نيوز أن العراق "سوف يبقى على تواصل مع أميركا كواقع موجود، لكنه لا يستطيع الانفصال عن إيران، فهي جارة ولا يمكن حدوث أي انفصال سياسي أو اقتصادي بسبب الحدود والعلاقات المتشابكة". خيار التوازن أما المحلل السياسي المقرب من الإطار التنسيقي، عماد المسافر، فقد شدد على أن سياسة التوازن التي يعتمدها العراق اليوم ليست خضوعاً للضغط الخارجي بل إدارة واعية لمعركة طويلة الأمد. ويقول المسافر لوكالة شفق نيوز إن "العراق لم يكن يوماً طرفاً طارئاً في معادلات المنطقة، بل جزء أصيل من محور يرفض الهيمنة ويواجه مشاريع الإخضاع السياسي والاقتصادي، وأن المقاومة ليست فعلاً انفعالياً أو خطاباً مرتجلاً، بل خيار استراتيجي يدار بعقل الدولة ويأخذ بالحسبان مصالح الشعب واستقراره". ويضيف أن المطلوب اليوم هو موقف سياسي موحد يحصن القرار العراقي ويؤكد أن السيادة لا تقايض برفع عقوبة أو منحة مؤقتة، وأن العراق قادر على الصمود والمناورة، لكنه متمسك بخياراته الوطنية والإقليمية مهما تغيرت الإدارات وتبدلت الضغوط. تأثير اقتصادي ويرى مراقبون أن التحديات العملية أمام العراق ليست مجرد سياسية، بل تمتد إلى القطاع الاقتصادي والطاقة، فالعراق يعتمد على الغاز الإيراني لتوليد نحو 8 آلاف ميغاواط من الكهرباء، أي نحو 40% من احتياجاته، فيما توقف الإمدادات مؤخراً بسبب انخفاض المخزون وارتفاع الطلب في إيران خلال الشتاء. ويشير تقرير لموقع "بي أن إيه أنتل نيوز"، الألماني الذي ترجمته وكالة شفق نيوز في شباط/ فبراير 2025، إلى أن العراق حاول التخفيف من الاعتماد على الغاز الإيراني عبر توقيع عقود مع دول مثل قطر وتركمانستان، إلى جانب مشاريع محلية للطاقة الشمسية، من المتوقع أن تضيف نحو 3 آلاف ميغاواط خلال 3 سنوات. كما أعلنت شركة "توتال إنرجي" الفرنسية عن بناء محطة للطاقة الشمسية في البصرة بقدرة ألف ميغاواط، بتكلفة 820 مليون دولار، على أن تكتمل على مدى 3 سنوات. يشار إلى أن آثار الرسوم الأميركية على شركاء إيران تتجاوز العراق، الذي تبلغ تجارته مع طهران 12.3 مليار دولار وتعتمد على الغاز والكهرباء الإيرانيين، لتشمل الإمارات بنسبة 22.6% من تجارة إيران الخارجية وعُمان التي تشهد نمواً سريعاً في التبادل التجاري.