في ذكرى رحيله.. كيف تحوّل الشتاء في تجربة مساعد الرشيدي إلى مُعلّقة حزينة كتبها في حياته وأنهاها بوفاته..

في الشتاء، حين تخفّ الأصوات وتتعالى الذاكرة، يعود اسم الشاعر الكبير مساعد الرشيدي كأنّه طقسٌ شعريٌّ لا يكتمل البرد من دونه.شاعرٌ كتب حزن الشتاء كما لم يكتبه أحد، وكتب فيه، ثم اختار الشتاء نفسه موعداً أخيراً لينام فيه إلى الأبد، وكأن قصائد الشتاء عنده لم تكن حبراً على ورق، بل قدراً مؤجَّلاً ينتظره في موسمه.لم يكن مساعد الرشيدي شاعر عاطفة فحسب، ولا شاعر وطن فقط، بل كان حالة شعورية مكتملة؛ شاعراً يسمع الداخل الإنساني قبل أن ينصت للوزن، ويكتب الألم كما لو أنه يعرفه بالاسم.لذلك، لم يكن غريباً أن تتحول جملته الخالدة: «حزين من الشتا وإلا حزين من الظما يا طير» إلى أيقونة وجدانية، تتناقلها الذاكرة كما يُتناقل الدعاء في الليالي الثقيلة.الشتاء عند مساعد ليس فصلاً، بل استعارة للحزن النبيل، والحنين الطويل، والغياب الذي لا يعتذر.بدأ مشواره قبل أكثر من ثلاثة عقود ونصف، حين احتضنت مجلة «اليمامة» بداياته الأولى، فكان صوته مختلفاً منذ السطر الأول، ناضجاً على غير عادة البدايات.مساعد موهبة مبكرة صقلتها بيئة شعرية عائلية، وأمٌّ شاعرة، وبيتٌ يعرف الإيقاع بالفطرة. حتى حين ابتُعث إلى الولايات المتحدة عاماً واحداً، لم يسافر قلبه؛ بقي معلّقاً بالوطن، فكتب واحدة من أكثر قصائده صدقاً ووجعاً، وكأن الغربة لا تُنضج الشعر إلا إذا مرّت بالقلب أولاً.لقّبه محبّوه بـ«سيف العشق»، وهو عنوان ديوانه الأول، لا لأنه شاعر غزل فقط، بل لأنه كان حاداً في صدقه، قاطعاً في إحساسه، لا يوارب حين يحب ولا حين يتألم.في دواوينه «سيف العشق» و«حبات رمان على ثلج» و«مراهيش»، تتجاور الرهافة مع القسوة، والبياض مع العتمة، كأن النص عنده مساحة صراع جمالي لا يخرج منها إلا منتصراً.تعاون مساعد الرشيدي مع كبار الأصوات الغنائية محمد عبده، عبدالمجيد عبدالله، أحلام، راشد الفارس، وغيرهم، ولم تكن قصائده تُغنّى فقط، بل كانت تُعاش. علاقة دافئة ربطت كلماته بمشاعر الناس، حتى بدت الأغنية امتداداً طبيعياً للقصيدة، لا ترجمة لها.رحل مساعد الرشيدي فجر شتاء عام 2017، لكن رحيله لم يكن نهاية.صار علامة في تاريخ المبدعين السعوديين، يُستحضر كلما اشتد البرد، وكلما احتاج القلب إلى شاعر يعرف كيف يقول الحزن دون أن يكسِره.في الشتاء، ما زال مساعد معنا، قصيدةً تمشي بيننا، ودفئاً خفياً لا يشيخ، وعبارة في وجداننا..يقول: لا غشاك البرد يا سمح المحيا.. احطب الطارف من ضلوعي وشبه، هات من عذب السوالف ما تهيا.. ودي امسك صوتك بكفي واحبه.ويقول: «في زمانٍ كنّه البرد شبّيت القصيد..قلت ابدفى والليالي تموت ببردها».الشتاء عند مساعد الرشيدي ليس خلفية زمنية لقصائده، بل عنصرٌ بنيوي في تجربته الشعرية. يتسلّل إلى أبياته بوصفه حالة شعورية دائمة، تثير فيه الحزن والتأمل والحنين، وتوقظ حساسيته العالية تجاه الفقد والوحدة. حين يربط الزمن بالبرد، ويشعل القصيدة طلباً للدفء، فهو يعلن أن الشتاء هو المحرّك الخفي لقصيدته؛ الفصل الذي تتكثف فيه مشاعره، وتصفو فيه لغته، ويشتد فيه صدقه. لذلك تتكرر مفردات البرد، والليل، والغياب في شعره، لا باعتبارها صوراً عابرة، بل لأنها انعكاس مباشر لتأثره العميق بالشتاء، الذي كان يستفز حزنه النبيل، ويمنحه في الوقت ذاته المساحة الأوسع ليكتب شعراً يلامس القلب ويبقى.