في حوار خاص مع “البلاد” بمناسبة اليوم الدبلوماسي لمملكة البحرين، فتح السفير السابق محمد حمد المعاودة قلبه للحديث عن مسيرة الدبلوماسية البحرينية منذ تأسيسها وحتى اليوم، مستعرضًا أبرز التحولات التي شهدها هذا القطاع الحيوي، والدور الكبير الذي لعبته القيادة في ترسيخ مكانة المملكة إقليميًا ودوليًا. المعاودة، الذي قضى أكثر من ثلاثة عشر عامًا سفيرًا لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وكشف المعاودة عن محطات مهمة في مشواره، وأثر مشاركة المرأة والشباب في تجديد العمل الدبلوماسي، إضافة إلى نصائح ذهبية للجيل الجديد من الدبلوماسيين. وفيما يلي نص الحوار: بداية، كيف تصف مسيرة الدبلوماسية البحرينية اليوم مقارنة ببداياتك في العمل الدبلوماسي وما أبرز التحولات التي شهدتها؟ - المسيرة الدبلوماسية في البحرين منذ تأسيسها في عهد سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة وحتى اليوم تسير في خطى طيبة، وفي علاقات وطيدة مع كافة الدول، وفي الوقت نفسه تحاول بقدر الإمكان تعزيز هذه العلاقات وجعلها في صورة عملية من خلال الاتفاقيات والمشاريع التنموية والإنسانية التي تخدم المجتمع بشكل عام. هذه السياسة التي انتهجتها مملكة البحرين بتوجيهات من صاحب الجلالة المعظم الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه، رسخت الكثير من العلاقات، وأكدت العادات والتقاليد التي تعودنا عليها كمجتمع بحريني. وطبيعتنا البحرينية قائمة على الأخوة والصداقة، ولقد انعكس هذا على علاقاتنا الخارجية. وأرى أن سياستنا مستمرة بنفس النهج وبنفس المستوى، لكن الأجيال تختلف، ونحن نحاول التوفيق بين الماضي والحاضر لما فيه من خير للبحرين. ولله الحمد، ما يقوم به شبابنا في الخارجية البحرينية اليوم يطمئننا بأن المسيرة مستمرة في خطى واضحة ومستقرة. من واقع تجربتك الطويلة، ما أهم القيم التي يجب أن يتحلى بها الدبلوماسي البحريني؟ - كما قلت في المقدمة، طبيعتنا البحرينية قائمة على العلاقات الطيبة، وهذا ينعكس على علاقاتنا الخارجية. كسفير، مارست ما يتمناه المجتمع البحريني في إنشاء علاقات عامة مع كافة المستويات، ليس فقط الرسمية، بل حتى الشعبية، من خلال المجالس والدواوين والمؤسسات. ولقد وفقت بتكوين علاقات ساعدتني في تسهيل مهمتي في أبوظبي، حيث استقررت بها لأكثر من ثلاثة عشر عامًا، وعليه حققت الأهداف التي رسمتها الدولة لي، وفي الوقت نفسه تركت انطباعًا طيبًا لدى المجتمع الإماراتي، الذي يكن كل تقدير لشعب البحرين. الدبلوماسي الناجح يجب أن يتحلى بالصبر، والقدرة على التواصل، والمرونة في التعامل مع مختلف الثقافات، إضافة إلى الالتزام بتوجيهات القيادة الرشيدة التي تمثل خريطة الطريق للعمل الدبلوماسي. يرتبط العمل الدبلوماسي بمواقف معينة، ما أبرز محطة مهنية محفورة في ذاكرتك؟ - العمل الدبلوماسي يجب أن يكون يترك خلاله بصمات واضحة، وهي التي يسعى السفير لتحقيقها لتظل راسخة في الذاكرة الوطنية. ومن أبرز المحطات التي أعتز بها إنشاء مبنى سفارة البحرين في أبوظبي، والذي تم افتتاحه عام 2018 بعد سنوات من السعي والتنسيق. قبل ذلك، كانت هناك سفارة ولكن بلا مبنى مستقل، ولقد تأخر المشروع بسبب عدم توافر الأرض والميزانية، لكن بتعاون الأشقاء في الإمارات تمكنا من إنجاز المشروع. كذلك سعينا لإنشاء قنصلية في دبي لتسهيل خدمات المواطنين، خصوصا القادمين من المناطق الشمالية في الإمارات، وتم افتتاحها في 2021. هذه خطوات مهمة لترسيخ مكانة البحرين في الإمارات وتسهيل مهمة رعاية المواطنين. وهي ثمرة تعاون كبير بين القيادتين في البحرين والإمارات. كيف تقيمون دور جلالة الملك المعظم في تعزيز مكانة البحرين إقليميًا ودوليًا؟ - يوجهنا جلالة الملك المعظم دائمًا لأن نكون واجهة مشرّفة لمملكة البحرين، وأن نعكس صورة طيبة عن المجتمع والحكومة الموقرة. هذا التوجيه لمسناه عندما أدينا القسم أمام جلالته، حيث أكد أن كل انطباع نقدمه يجب أن يكون إيجابيًا وينعكس على علاقاتنا مع الدول الشقيقة والصديقة. ولقد ساعدتنا هذه التوجيهات في بناء علاقات قوية دبلوماسية، خاصة في الإمارات، حيث سهّلت العلاقات الشخصية بين القادة مهمتي بشكل كبير، وجعلت العمل الدبلوماسي هنالك أكثر سلاسة ونجاحًا. شهدت الدبلوماسية البحرينية توسعًا في حضور المرأة والشباب، كيف ترون أثر هذا التوجه؟ - هناك تطورات كبيرة في العمل الدبلوماسي البحريني، ونرى اليوم بفخر نساء وصلن إلى منصب سفير، وهذا يعكس اهتمام القيادة الرشيدة بتمكين المرأة في هذا المجال، وكذلك الشباب. ولقد ساهم هذا التوجه في تجديد العمل الدبلوماسي، وأثبت نجاحه من خلال الكفاءات التي أثبتت جدارتها في مختلف المواقع. ومشاركة المرأة والشباب ليست مجرد تمثيل، بل هي إضافة نوعية للعمل الدبلوماسي، لأنها تجلب أفكارًا جديدة وتواكب التغيرات العالمية. هل استطاعت البحرين توظيف قوتها الناعمة ثقافيًا واقتصاديًا وإعلاميًا بالشكل الأمثل؟ - لا شك أن البحرين نجحت في ذلك، فهي دائمًا تبرز في المحافل الدولية، سواء في الأمم المتحدة أو الجامعة العربية أو المنظمات الأخرى، وتحقق إنجازات واضحة تعزز سمعتها، وهذا بفضل النشاط القائم في جميع المجالات. البحرين استطاعت أن تقدم نفسها كدولة منفتحة ومتعاونة، وهذا انعكس في حصولها على شهادات تقدير ومميزات في مختلف المنظمات الدولية. ما الدور الذي لعبته الدبلوماسية البحرينية في تعزيز بيئة الاستثمار؟ - موضوع الاستثمار مهم جدًا في العمل الدبلوماسي، ومن خلال تجربتي في الإمارات، لمست رغبة كبيرة من رجال الأعمال والحكومة الإماراتية في جعل الاستثمار في البحرين استثمارًا ناجحًا للطرفين. هذا التوجه ساعد في خلق علاقات اقتصادية قائمة على الاستثمار في مختلف القطاعات، سواء المالية أو العقارية أو الزراعية، وكان له عائد طيب على الحكومة والمواطن البحريني. هذه العلاقات الاقتصادية لم تكن لتنجح لولا الجهود الدبلوماسية التي بذلت لتعزيز الثقة بين الطرفين. هل هناك مواقف إنسانية أثرت فيك خلال عملك؟ - نعم، من أبرزها تنظيم الزواج الجماعي لأكثر من 300 شاب وشابة بمساهمة من مؤسسات إماراتية، مثل مؤسسة الشيخ خليفة الإنسانية ومؤسسة عبدالله المسعود، وهو مشروع إنساني أعتز به كثيرًا لأنه ساعد قطاعًا كبيرًا من شبابنا. هذه المبادرات الإنسانية تعكس أن العمل الدبلوماسي ليس فقط سياسيًا أو اقتصاديًا، بل له جانب اجتماعي وإنساني مهم جدًا. ما رسالتك للدبلوماسيين البحرينيين الحاليين؟ - رسالتي لهم أن يستفيدوا من تجارب من سبقهم، فالدبلوماسية ليست مجرد نظريات، بل خبرات عملية وعلاقات متينة يجب أن تُبنى وتُحافظ عليها، فالتواصل مع الدبلوماسيين المخضرمين مهم جدًا لتطوير الأداء، وأنا واثق أن شبابنا ينظرون لهذه التجربة ويستفيدون منها. وتجربة البحرين في هذا المجال تجربة ناجحة ولها تاريخ طويل، ويجب أن تكون مصدر إلهام للجيل الجديد. عليهم أن يطوروا هذه التجربة ويضيفوا إليها بما يتناسب مع متغيرات العصر. نبذة عن السفير: محمد حمد المعاودة، أحد أبرز الدبلوماسيين البحرينيين، شغل منصب سفير مملكة البحرين لدى دولة الإمارات العربية المتحدة لأكثر من 13 عامًا، وأسهم في تعزيز العلاقات الثنائية، وإنشاء مبنى السفارة في أبوظبي والقنصلية في دبي، إلى جانب مبادرات إنسانية واجتماعية تركت أثرًا كبيرًا. حصل على وسام الكفاءة من الدرجة الأولى بمرسوم ملكي بتاريخ 16 أكتوبر 2002، ووسام الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة من الدرجة الثالثة بمرسوم ملكي بتاريخ 15 مارس 2000، إضافة إلى وسام الشيخ زايد الثاني من الطبقة الأولى، وهو أعلى وسام يمنح للسفراء، بتاريخ 20 فبراير 2018.