في الرابع عشر من يناير من كل عام، حين يطل اليوم الدبلوماسي على البحرين كمناسبة سنوية مع الوفاء، تتوهج القلوب بأسماء حملت الراية بصمت، ثم مضت، تاركة خلفها حكايات كثيرة لم ترو بعد. وإذ نحتفل بهذه المناسبة الوطنية نستحضر ذكريات بعض من دبلوماسيي البحرين الذين أفنوا حياتهم في خدمة الوطن حتى الرمق الأخير. ومن الوفاء أن نستذكر أيضا من رحلوا عنا خلال العام 2025 الذي شهد وفاة أربعة من دبلوماسييي البحرين المخضرين وهم: السفير سلمان عبد الوهاب الصباغ وهو أحد الآباء المؤسسين للعمل الدبلوماسي البحريني، والسفير حمد أحمد العامر أحد الرواد الذين انضموا للعمل الدبلوماسي منذ عهد دائرة الخارجية، والدكتورة أمل إبراهيم الزياني إحدى الرائدات في السلك الدبلوماسي البحريني، والسفير ظافر أحمد العمران رجل الاقتصاد المميز والدبلوماسي الخلوق. نسأل الله لهم الرحمة والمغفرة، ونستذكر اليوم ما قدموه من جهد وعطاء خلال مسيرتهم الدبلوماسية. في هذا المقال لا نعيد سرد الوقائع فحسب، بل نستعيد سيرة الذين رحلوا في ذروة عطائهم، وكانوا على رأس عملهم. كان بعضهم قد قضى حياته المهنية في الوزارة، بينما عمل آخرون لسنوات طويلة في بعثات البحرين الدبلوماسية في الخارج دون كلل أو ملل، حتى انتقلوا إلى جوار ربهم أثناء أداء مهامهم، فإلى هؤلاء الدبلوماسيين، نعبر عن تقديرنا العميق، وندعو الله لهم بالعفو والمغفرة. وفي هذا الشأن نقول إن الدبلوماسية التي تدار بالحكمة والحنكة تصان بالتضحية والإخلاص. تاريخ البحرين الدبلوماسي حافل بالشخصيات الدبلوماسية التي أدت واجبها الوطني، واستمرت في العمل حتى اللحظات الأخيرة من حياتها. ومن بين هذه الشخصيات: عبد العزيز الشملان: السفير المناضل في سجل الذاكرة الوطنية، يبرز اسم عبد العزيز سعد الشملان الذي يمثل سيرة كفاح وعمل وطني حتى آخر رمق من حياته. كان قامة وطنية سامقة، ورث عن والده الشيخ سعد الشملان روح التحدي والالتزام، يوم دفعت بهما يد الاستعمار إلى المنفى في أواخر العشرينات، فكان النفي مدرسة مبكرة صاغت وعي الابن قبل أن تكتمل ملامح شخصيته. ولد الشملان في المحرق بالعام 1911، وتفتح وعيه الأول في مدرسة الهداية الخليفية، قبل أن يرافق والده إلى بومبي، حيث عاش سنوات المنفى القاسية. ودرس لفترة وجيزة في الجامعة الأمريكية ببيروت. وقد انخرط عبد العزيز الشملان في العمل الوطني مبكرا، فكان من مؤسسي نادي العروبة، ومن الداعمين الأوائل للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وأحد أبرز قادة هيئة الاتحاد الوطني. وفي العام 1956، نفي إلى جزيرة سانت هيلانة، حيث عاش سنوات هناك، قبل أن يعاد الاعتبار له ويفرج عنه بالعام 1961. عاد عبد العزيز الشملان إلى البحرين، حيث ساهم في بناء الدولة الحديثة، فانتخب نائباً لرئيس المجلس التأسيسي الذي وضع دستور 1973. وتكريماً له عينته القيادة البحرينية سفيراً بوزارة الخارجية، حيث مثل البحرين سفيراً في القاهرة وتونس خلال مرحلة بالغة الحساسية من التاريخ العربي. وفي 30 ديسمبر 1988، رحل بعد إصابته بجلطة قلبية وهو على رأس عمله، حيث أقعدته عن العمل لفترة من الزمن قبل أن يغادر هذه الدنيا، تاركا خلفه سيرة وطنية ناصعة. عبد الله الشكر: القنصل الذي دفن في التفاحة الكبيرة في المدينة التي لا تنام، أو “التفاحة الكبيرة” بأبراجها العالية وأضوائها التي لا تطفئ، توقفت دقات قلب قنصل البحرين في نيويورك عبد الله الشكر، بتاريخ 21 نوفمبر 1989. رحل فجأة بسكتة قلبية وهو على رأس عمله، تاركاً خلفة الكثير من الذكريات في مدينة نيويورك التي هاجر إليها في العام 1954، حيث عمل في عدة مواقع، آخرها القنصلية السعودية في نيويورك، قبل أن يلتحق بالبعثة الدائمة للبحرين لدى الأمم المتحدة في مطلع السبعينات. وقد أصرت أسرته على دفنه في نيويورك، لتبقى ذكراه حيّة هناك، حيث تقيم زوجته الأمريكية وابنته. وقد تردد صدى الحب والوفاء في حديث ابنته “باميلا” المقيمة حالياً في فلوريدا، وهي تستعيد ذكرياتها مع أب أحب عمله كما أحب وطنه، ووهب للبحرين من قلبه بقدر ما وهب لها من جهده ووقته. وكم كانت فرحتها غامرة بمعرفتها أن هناك من لا يزال يتذكر والدها بالوفاء. كانت تسأل عن أصدقائه وما إذا كانوا لا يزالون على قيد الحياة.. كانت تسأل بشوق وحب للبحرين وأهلها الذين تعرف جيداً طيبتهم ومعدنهم. الشيخ عبدالرحمن بن فارس آل خليفة: دبلوماسي رياضي الهوى يُعد السفير الشيخ عبدالرحمن بن فارس آل خليفة، من أوائل الدبلوماسيين الذين انضموا إلى السلك الدبلوماسي البحريني بعد تأسيس دائرة الخارجية في العام 1969. وكان له دورٌ كبير في تعزيز العلاقات البحرينية مع عدد من دول العالم، وخصوصا مع الولايات المتحدة الأمريكية، حيث شغل منصب سفير مملكة البحرين في واشنطن في مطلع التسعينيات حتى آخر لحظة في حياته. وقد عمل منذ انضمامه إلى وزارة الخارجية مسؤولاً عن شؤون المراسم، وعين في العام 1980 سفيراً لدى المملكة المتحدة. وعرف عن الشيخ عبد الرحمن حبه للرياضة وبشكل خاص كرة الطائرة وكرة القدم والغولف. وقد شاءت الأقدار أن يُتوفى في العام 1993 في العاصمة الأمريكية واشنطن أثناء عمله سفيراً للبحرين لدى الولايات المتحدة الأمريكية. السفير عيسى الجامع: آخر من يغادر... أول من يحمي الآخرين في ذروة الغزو العراقي للكويت بالعام 1990، كانت الدبلوماسية البحرينية أمام اختبار كبير. وهناك وقف السفير عيسى الجامع يخطط طريق العودة للجالية البحرينية المكونة من طلبة البحرين في الكويت وعشرات من البحرينيين الآخرين المقيمين في دولة الكويت. كانت المهمة شاقة للغاية، بعد أن انقطعت الاتصالات بين الكويت والخارج، فعمل السفير عيسى الجامع على تأمين أماكن آمنة لإقامة الطلبة، قبل أن يجهز حافلات لنقلهم للوطن في ظروف بالغة الخطورة. حرص السفير الجامع على أن يؤمن عودة سالمة لمواطنيه قبل أن يفكر في نفسه، ولم يغادر الكويت إلا بعد أن فرغ من إجلاء رعايا البحرين في الكويت. وفي العام 2001، أي بعد نحو عام على تعيينه رئيساً للبعثة الدبلوماسية البحرينية في الدوحة بدولة قطر الشقيقة، رحل السفير عيسى الجامع بشكل مفاجئ، إثر نوبة قلبية داهمته وهو في سكنه بالدوحة، تاركاً خلفه إرثاً من العمل الدبلوماسي المشرق، إذ كان من الرعيل الأول من الدبلوماسيين البحرينيين، وممن تركة بصمة لا تمحى في تاريخ البحرين الدبلوماسي. مبارك البنعلي: عطاء حتى اللحظة الأخيرة في تسعينات القرن الماضي، وفي العاصمة الصينية بكين، كان الشاب مبارك البنعلي أحد أعضاء البعثة الدبلوماسية البحرينية في جمهورية الصين الشعبية. وبعد يوم كباقي الأيام العادية، أنهى مبارك عمله وعاد لشقته التي كان يسكن فيها لوحده. وفي اليوم التالي افتقده زملاؤه في البعثة، دون أن يخبرهم بشيء، فتوجسوا من هذا الأمر بعد محاولاتهم الاتصال به دون جدوى. وكانت المفاجئة الأليمة، حين ذهب أحد الموظفين المحليين إلى شقته ليجده قد فارق الحياة خلال نومه على سريره. رحل هناك، وهو في مقتبل العمر، تاركاً خلفه سيرة طيبة في الهدوء والتواضع. صلاح مسيفر: شاب تختاره السماء على عتبة الحلم نحو أربع سنوات مضت بين التحاقه بالسلك الدبلوماسي وبين التحاقه بالرفيق الأعلى في 23 أغسطس 2000، حين هوت من الجو طائرة طيران الخليج القادمة من القاهرة أثناء محاولتها الهبوط في مطار البحرين الدولي، وعلى متنها 143 راكباً، أحدهم هو الدبلوماسي صلاح مسيفر، السكرتير الثالث بسفارة البحرين لدى جمهورية مصر العربية. كان صلاح شاباً رفيع الخلق، متواضعاً، ومسالماً، يفتح بيد باب المكتب ويغلق بالأخرى أبواب الخلافات والمشكلات. رحل مبكراً، تاركاً حسرة في قلوب محبيه وزملائه، وذكرى طيبة في قلوب كل من عرفوه. وفي زوايا الذاكرة، يستعيد شكري القيسي ملامح زميله الراحل صلاح مسيفر، لا كدبلوماسي فحسب، بل كإنسان نادر الطيبة، صافٍ في روحه. حضور إنساني ترك أثره العميق في نفسه، وبقي حيا في الذاكرة رغم الغياب. ويتوقف القيسي عند لحظة مفصلية، حين صدر قرار بنقل صلاح إلى بعثة البحرين في القاهرة، بالتزامن مع نقل زميله ورفيق دربه محمد العامر إلى الرياض. مفارقة قاسية، إذ كان كل منهما يتمنى موقع الآخر؛ صلاح كان يأمل في تعيينه بالرياض، ومحمد كان يميل بقلبه إلى القاهرة. غير أن القرار جاء معاكسا للرغبات، فمضى الاثنان إلى قدريهما بصمت، يحملان أمنيات مؤجلة. وإذا كانت إرادة الله قد شاءت لهما الفراق في العامل 2000، فإنها شاءت كذلك أن يلتحق محمد بصلاح في العام 2023، حين وافته المنية أثناء مشاركته في اجتماع بجنيف ضمن وفد غرفة التجارة التي عمل بها لاحقاً مديراً لإدارة الشؤون القانونية. هكذا جمعت المهنة بين صلاح ومحمد، وفرقهما القدر، ثم جمعهما الرحيل. وبين القاهرة والرياض، كتبت الحياة فصلا مؤثرا عن الصداقة والقدر، وبقيت الذكرى شاهدة على صمت الوداع. زهير منديل: عصامية تتخطى المرض... وبصمة لا تمحى في وزارة الخارجية، لا يمكن لأحد أن ينسى السفير زهير منديل، الذي انضم للسلك الدبلوماسي في العام 1980، وخدم في مواقع دبلوماسية عدة، منها سكرتيراً أولاً في سفارة البحرين بتونس (1989 - 1992)، وسكرتيراً أولاً في سفارة البحرين بالقاهرة (1992 - 1999). وأخيراً شغل منصب مدير إدارة الشؤون العربية منذ العام 2002 حتى وفاته، وبذل الكثير من الجهد في تعزيز العلاقات البحرينية مع الدول العربية. رحل السفير زهير منديل مبكراً في العام 2011 بعد صراعٍ طويلٍ مع مضاعفات مرض فقر الدم المنجلي. رحل تاركاً خلفه سيرة عطرة في التفاني والانضباط، وبصمة لا تُمحى في الذاكرة الوطنية للدبلوماسية البحرينية، فقد عرف بعصاميته، حيث كان في كثير من الأحيان يقوم بمفرده بعمل يؤدى في العادة من قبل مجموعة من الموظفين. كان يتعامل مع التفاصيل الدقيقة كما لو أنها قطع من أحجار كريمة تحتاج إلى صقل دائم. ورغم آلام المرض، كانت الابتسامة لا تفارق محياه، وروح الفكاهة حاضرة دائماً معه أينما حلّ. ما بين المبدأ والمهمة... معنى أن تكون دبلوماسياً لا تختصر هذه الذكريات مشاعر الحزن بقدر ما تستدعي التقدير، فالدبلوماسية ليست وظيفة تقاس بساعات العمل، بل بالتزام طويل الأمد يتقدم فيه الواجب على الراحة، وتقدم فيه مصلحة الوطن على أي اعتبارات شخصية. من مقر وزارة الخارجية في المنامة، إلى بعثات البحرين في مدن العالم، رحل عدد من الدبلوماسيين وهم يؤدون مهام عملهم التي أقسموا على تأديتها بإخلاص. في اليوم الدبلوماسي، لا نستذكر الأسماء لمجرد التذكر، بل تستعاد أيضاً بوصفها نماذج يحتذى بها، فمنها نماذج لدبلوماسيين حملوا البحرين في سلوكم قبل مناصبهم، وأسسوا بعلاقاتهم المتزنة واحترامهم للآخر صورة ناصعة للوطن. هناك كثير من الأسماء التي ستبقى حية في الذاكرة الدبلوماسية البحرينية باعتبارها شاهدة على التفاني في العمل والإخلاص حتى النفس الأخير. تحتفي مملكة البحرين اليوم بمسيرتها الدبلوماسية، وهي مناسبة لا تكتمل إلا بالوفاء لأبنائها الأوائل من الدبلوماسيين الذين خدموا الوطن بإخلاص حتى آخر لحظة في حياتهم، فبقيت أسماؤهم حية في الذاكرة الدبلوماسية رمزاً للوفاء والتفاني. ولا يفوتنا في النهائية إلا أن نعبر عن بالغ التقدير والامتنان لعائلات أوليك الدبلوماسيين، الذين كانوا السند والدعم لأبنائهم، وشاركوا في تحمل أعباء الرسالة، ليؤدي أبناؤهم مهام عملهم على أكمل وجه. إنهم جميعاً يستحقون الثناء والتقدير في هذه المناسبة الوطنية التي تجسد معاني العطاء والانتماء. * باحث في تاريخ البحرين الدبلوماسي