الشرق الأوسط أمام اختبار القوة من جديد : إيران في مرمى الطراز الأمريكي

كتب د. نعيم الملكاوي* يدخل الشرق الأوسط مرحلة بالغة الحساسية، لم تعد فيها الأزمات تُدار بمنطق الاحتواء، ولا تُحل عبر البيانات الدبلوماسية أو المسارات التقليدية، بل تُعاد صياغتها وفق منطق القوة وفرض الوقائع. فالتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم يعد مجرد خلاف سياسي أو صراع نفوذ عابر، بل تحوّل إلى عنوانٍ لمحاولة فرض نموذج جديد لإدارة المنطقة، يقوم على الإخضاع لا الشراكة، وعلى الطاعة لا التوازن. في قلب هذا المشهد تقف إيران ومشروعها الهش بوصفها العقبة الأبرز أمام المشروع الأمريكي–الإسرائيلي، ليس فقط لأنها دولة تختلف في السياسات، بل لأنها تمثل مشروعاً إقليمياً متكاملاً يرفض الانصياع لشروط الهيمنة، ويتمسك بهامش قرار سيادي يتجاوز ما تسمح به واشنطن وحلفاؤها . من الاحتواء إلى الفرض القسري تشير الوقائع السياسية والعسكرية إلى تحوّل واضح في السلوك الأمريكي؛ انتقال من سياسة الاحتواء طويل الأمد إلى نهج الصدمة والضغط المركّب، ومن إدارة الخلافات إلى فرض الطاعة السياسية بالقوة المباشرة أو غير المباشرة. هذا التحول لا يستهدف إيران وحدها، بل يوجّه رسالة صريحة إلى الإقليم بأكمله: من يخرج عن الخط المرسوم، يُعاد إدخاله بالقوة، أو يُستنزف حتى يفقد قدرته على الفعل. وفي هذا السياق، لا تتحرك إسرائيل من موقع القلق فقط، بل من موقع الشريك الكامل في مشروع يرى أن تفكيك النفوذ الإيراني شرطٌ وجودي لإعادة رسم موازين الأمن والسيطرة في المنطقة. لماذا إيران الآن؟ لأن إيران: •تجاوزت دور الدولة المحاصَرة إلى لاعب إقليمي مؤثر •بنت شبكة نفوذ سياسية وأمنية عابرة للحدود •كسرت احتكار القرار في ملفات حساسة •ورفضت تعديل سلوكها وفق الشروط الأمريكية، سواء في برنامجها النووي أو دورها الإقليمي المشكلة مع إيران، وفق هذا المنظور، ليست في سلوكٍ قابل للتعديل، بل في وجود مشروع لا يقبل التدجين ولا يخضع لقواعد الهيمنة. تفكيك بلا حرب : أدوات الاستهداف الاستراتيجية المتبعة لا تقوم على حرب شاملة، بل على تفكيك تدريجي محسوب عبر مسارات متوازية: أولاً : الضغط الداخلي واستثمار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تحريك الشارع، وتوسيع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، بهدف إنهاك الداخل دون إسقاط النظام دفعة واحدة. ثانياً : الاستنزاف الإقليمي ، تحجيم أذرع إيران في المنطقة عبر تغيير قواعد الاشتباك، وضرب مراكز النفوذ، وفرض معادلات ردع جديدة تقلّص هامش الحركة. ثالثاً : الضربات النوعية غير المعلنة، عمليات سيبرانية وأمنية دقيقة تُبقي طهران في حالة استنفار دائم، دون منحها ذريعة لحرب شاملة. رابعاً : العزل السياسي وإعادة تعريف الخصم وتسويق إيران دولياً كتهديد عابر للحدود، لا كدولة ذات مصالح مشروعة، تمهيداً لتوسيع دائرة الضغط وشرعنته. السيناريوهات المحتملة أمام هذا المشهد، تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية : السيناريو الأول: تصعيد محسوب ضربات ورسائل متبادلة لإعادة رسم الخطوط الحمراء دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. السيناريو الثاني: استنزاف طويل الأمد (الأرجح) لا حرب ولا تسوية، بل إنهاك اقتصادي وسياسي وأمني يهدف إلى تفريغ المشروع الإيراني من مضمونه وتقليص دوره تدريجياً خلق حالة تمرد داخلي قد تقود إلى تفكيك البنية المجتمعية إلى عرقيات متصارعة . السيناريو الثالث: انفجار إقليمي واسع خيار مكلف للجميع، يبقى مطروحاً إذا فشلت أدوات الضغط الأخرى، لكنه ليس الخيار المفضل في هذه المرحلة لان المتضرر الأول سيكون دول الخليج العربي ومكلف على جميع الحلفاء في المنطقة. ما الذي تريده واشنطن وتل أبيب؟ الهدف يتجاوز إيران إلى الإقليم بأكمله : •إعادة هندسة موازين القوى بما يضمن أمن اسرائيل  . •كسر أي نموذج رافض لهيمنة المشروع الأمريكي  الاسرائيلي . •فرض طراز واحد في السياسة والتحالفات . •تحويل الشرق الأوسط إلى مساحة منضبطة بلا مفاجآت استراتيجية  . إيران اليوم لا تقف على أعتاب حرب تقليدية، لكنها تخوض معركة إرادات طويلة ومفتوحة. فإما أن تنجح في الصمود وإعادة التموضع، أو تُستنزف تدريجياً حتى تفقد قدرتها على التأثير. أما الشرق الأوسط، فهو يدخل مرحلة أكثر قسوة وغموضاً ، حيث لا تُحسم الصراعات بالشعارات، بل بموازين القوة، وتُعاد فيها صياغة السيادة، وتُختبر قدرة الدول على البقاء خارج دائرة الإخضاع والضربة الجراحية قادمة لا محالة  . *الكاتب باحث وسياسي .