شفق نيوز- بغداد في السنوات الأخيرة، بدأ مفهوم تقنين الإنجاب يفرض نفسه داخل المجتمع العراقي، بعد أن كان عدد الأطفال يُعدّ رمزاً للقوة والاستقرار الأسري. اليوم، ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية، وضيق السكن، وارتفاع تكاليف المعيشة، باتت العديد من العائلات تعيد التفكير في قراراتها الإنجابية، ساعيةً إلى تحقيق توازن بين عدد الأبناء والقدرة على توفير حياة كريمة لهم. تراجع في نسب النمو ويقول المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، إن معدلات النمو السكاني شهدت انخفاضاً خلال السنوات العشر الأخيرة في ضوء نتائج التعداد العام للمساكن الأخير. ويضيف الهنداوي، لوكالة شفق نيوز، أن "نسبة النمو السنوية كانت عام 2010 تبلغ 3%، وانخفضت العام الماضي إلى 2.5%"، مشيراً إلى أن "معدلات الخصوبة هي الأخرى شهدت انخفاضاً خلال العقد الأخير، إذ كان معدل الإنجاب لدى النساء يتراوح بين 6–7 مواليد، ثم انخفض إلى 5–6". ويشير إلى أنه "من بين أسباب ذلك الوعي المجتمعي وانتشار التعليم بين النساء، بعد أن كان الجهل يغلب على بعضهن، وهو ما ينعكس سلباً على تنظيم الأسرة"، مبيناً أن "التعليم ينعكس إيجاباً على تنظيم الأسرة، ويرتبط بالجوانب الاقتصادية ومتطلبات الحياة التي تحتاج إلى مورد جيد لتلبية الاحتياجات الأساسية". ويشير الهنداوي، إلى أن "الأسر العراقية حديثة التكوين أدركت ضرورة التنظيم من خلال تقليل الولادات والتباعد بين ولادة وأخرى، حتى تكون الأسرة قادرة على تلبية متطلبات أبنائها". أوضاع اقتصادية صعبة ويرى خبراء الاقتصاد، أن العامل المادي وتراجع الوضع الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة في العراق يقفان وراء تراجع معدلات النمو السكاني. ويوضح الخبير الاقتصادي أحمد عبد ربه، لوكالة شفق نيوز، أن "بيانات وزارة التخطيط العراقية تؤكد تراجع معدلات النمو السكاني، وهو أمر لا يمكن فصله عن الواقع الاقتصادي". وبحسب الخبير الاقتصادي، فإن هذا التراجع يعكس مجموعة من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة التي أثرت بشكل مباشر في قرارات الأسر العراقية، فارتفاع كلفة المعيشة، ولا سيما في مجالات السكن والتعليم والصحة، جعل قرار الإنجاب عبئاً مالياً متزايداً، ما دفع العديد من الأسر إلى تقليص عدد الأطفال أو تأجيل الإنجاب لحين تحسن الظروف المعيشية. "البطالة المتفشية في البلاد وعدم استقرار الدخل، خاصة بين فئة الشباب، أسهما في تأخير سن الزواج، وهو ما ينعكس تلقائياً على معدلات الولادة"، والكلام لعبد لابه، الذي أكد أن "من الناحية الاقتصادية، يرتبط الإنجاب ارتباطاً وثيقاً بتوفر دخل مستقر وفرص عمل مستدامة، في حين أن توسع العمل غير المنظم وضعف الأمان الوظيفي جعلا التخطيط الأسري أكثر حذراً". ويتحدث قائلاً، إن "المجتمع العراقي يشهد أيضاً تحولات ديموغرافية طبيعية تتماشى مع ارتفاع مستويات التعليم، واتساع رقعة التحضر، ودخول المرأة إلى سوق العمل، حيث انتقل نمط الأسرة من التركيز على العدد إلى التركيز على النوعية، أي الاستثمار في تعليم وصحة الأطفال، وهو توجه اقتصادي عقلاني في ظل الموارد المحدودة". ويلفت إلى أن "ضعف السياسات الحكومية الداعمة للأسرة، مثل برامج الإسكان الميسر، والإعانات المخصصة للولادة، وشبكات الحماية الاجتماعية الفاعلة، جعل قرار الإنجاب قراراً فردياً يتحمل كلفته المواطن وحده، بدلاً من أن يكون خياراً مدعوماً بسياسات عامة تشجع الاستقرار السكاني" وبحسب حديث الخبير الاقتصادي، فإنه في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي المرتبطة بتقلبات أسعار النفط وضعف التنويع الاقتصادي، تزداد مخاوف الأسر بشأن المستقبل، ما يدفعها إلى تبني سلوك أكثر تحفظاً تجاه الإنجاب. ووفق معنيين، لا تمثل معدلات النمو السكاني بحد ذاتها أزمة، بقدر ما تشكل مؤشراً اقتصادياً يتطلب معالجة شاملة، تركز على تحسين بيئة العمل، وتعزيز الاستقرار المعيشي، وربط السياسة السكانية بإصلاحات اقتصادية طويلة الأمد، لضمان توازن مستدام بين النمو السكاني والتنمية الاقتصادية. قصص من الواقع كما يقول المتخصصون، إن العامل الاقتصادي ليس الوحيد الذي يدفع الأسر إلى تحديد النسل أو التباعد بين الولادات، فحاجة الأطفال إلى الرعاية والاهتمام تتطلب وقتاً وجهداً لا يتوافران لكثير من النساء. وتروي المواطنة إيناس صالح، قصتها لوكالة شفق نيوز: "بعد ولادة طفلي الأول ومرور عام واحد على ميلاده، فكرنا في إنجاب طفل آخر، لكني كنت مترددة، لأن الحياة أصبحت صعبة، فالطفل يحتاج إلى راتب خاص به، كما أن طاقتي انخفضت". وتؤكد أن "الطفل بحاجة إلى الرعاية والسهر والجهد والوقت، ولم يعد ذلك متاحاً للموظفات في القطاع الحكومي أو الخاص". بدوره، يقول المواطن حسن خالد، إن "العبارة المأثورة التي كان يرددها الأجداد بأن (المولود الجديد يجلب رزقه معه)، غير صحيحة، لأن الحياة الاجتماعية يجب أن تقوم على التخطيط الدقيق، لا أن تُترك الأمور للصدفة والقدر". وينوه المواطن، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أنه "ليس بوسع العديد من المواطنين في الوقت الحالي توفير المتطلبات الضرورية للأسرة، فكيف سيكون وضع الأسرة متوسطة الدخل إذا جاءها طفل جديد يحتاج إلى تكاليف إنفاق كبيرة"، مبيناً أن "التطور الحاصل في العالم واختلاف الطبقات الاجتماعية يجعلان الأبوين يبذلان جهوداً مضاعفة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، لأن الطفل يجب أن ينمو في بيئة سليمة". ويشير إلى أن "الفترات السابقة التي شهدها العراق، ولا سيما خلال الحصار الاقتصادي، كانت العائلات العراقية تعيش ضمن طبقة واحدة يسودها الفقر والعوز والحرمان، وهو ما لا ينبغي أن يعيشه أطفالنا الذين يرون النور اليوم، إذ يجب أن ينشأ الأطفال الجدد في أجواء من الرعاية والمتعة والمرح". مؤثرات اجتماعية وثمة موازين تربوية في قضية إنجاب الأطفال وتربيتهم، باعتبار ذلك مسؤولية كبيرة يجب أن يضطلع بها الوالدان في تغطية حاجات الطفل على مختلف الصعد. في المقابل، تعتبر الباحثة في علم النفس مناهل الصالح، خلال حديثها لوكالة شفق نيوز، أن "الجيل الجديد من الآباء والأمهات يتحمل مسؤولية تربوية أعلى بكثير من الأجيال السابقة"، معتبرة أن "الأجيال الماضية قصّرت في مجال تربية الأبناء بحكم الواقع الذي كانت تعيشه في تلك الفترات". وتؤكد أن "العالم المعاصر الذي ينشأ فيه الطفل أصبح معقداً وخطيراً من الناحية النفسية"، موضحة أن "طفل اليوم يتعرض مبكراً إلى العديد من المؤثرات التي لم تكن موجودة سابقاً، مثل شاشات التلفزة والأجهزة اللوحية والهواتف النقالة، إلى جانب تسارع الإيقاع اليومي، وهو ما يجعل الأسرة تكافح من أجل حماية أطفالها من هذه المؤثرات". وتوضح الصالح، أن "الوعي التربوي لدى الجيل الحالي يحمّله مسؤولية أكبر تجاه الطفل مقارنة بالأجيال السابقة التي كانت تتكئ على منظومة اجتماعية أوسع"، مؤكدة أن "الاهتمام بالطفل بات ضرورة نفسية، لأن الإهمال لا يؤدي إلى مجرد اضطرابات فردية لدى الأطفال، بل ينتج عنه أجيال غير قادرة على مقاومة الضغوط".