نادرا ما تكون صور جوازات السفر أو التأشيرات من الصور التي نحتفظ بها بفخر. ملامح جامدة، نظرة مباشرة، وتعليمات صارمة لا تترك مجالا للابتسام أو العفوية. ومع ذلك، تتكرر مع كل صورة رسمية التساؤلات نفسها: لماذا يمنع علينا الابتسام في وثيقة يفترض أنها تمثل هويتنا؟ وهل هذا المنع وليد تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة، أم أنه تقليد أقدم من ذلك؟ الإجابة تكشف أن الوجه المحايد في الصور الرسمية ليس اختراعا حديثا، بل نتيجة مسار طويل جمع بين اعتبارات تقنية وثقافية وإدارية، قبل أن تعيد التكنولوجيا الحديثة تشديده وتبريره علميا. قبل الذكاء الاصطناعي.. لماذا كانت الوجوه جامدة؟ في المراحل الأولى للتصوير الفوتوغرافي، خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، لم تكن الابتسامة خيارا واقعيا أمام من يقفون أمام الكاميرا. فقد كان التقاط الصورة يتطلب زمنا طويلا قد يمتد لعدة دقائق، ما يفرض على الشخص الثبات التام دون أي حركة. وأي تعبير متغير، حتى ابتسامة بسيطة، كان كفيلا بإفساد الصورة أو تشويهها. لذلك، فرض التعبير المحايد نفسه كحل عملي وأكثر أمانا. ومع تطور تقنيات التصوير وتقليص زمن الالتقاط إلى ثوانٍ قليلة، لم يختف هذا الأسلوب، بل تحول من ضرورة تقنية إلى تقليد بصري راسخ، استمر في الصور الرسمية حتى بعد زوال أسبابه التقنية الأولى. منذ اعتماد الصور في الوثائق الرسمية، لم ينظر إليها بوصفها ذكرى شخصية أو مساحة للتعبير عن المشاعر، بل كأداة تعريف قانونية. الهدف منها هو تثبيت الملامح، لا إبراز الشخصية أو الحالة المزاجية. لهذا ارتبطت الجدية في الصور الرسمية بالمصداقية والوقار، بينما اعتبر الابتسام سلوكا غير رسمي، يصلح للصور العائلية أو التذكارية، لا للوثائق الحكومية التي تستخدم للتحقق من الهوية. الجدية والهيبة في الثقافة البصرية ثقافيا، ارتبطت السلطة والاحترام في كثير من المجتمعات بالملامح الجادة. صور القضاة، العسكريين، والمسؤولين السياسيين في الماضي كانت تخلو تماما من الابتسامات، حتى قبل ظهور أي تقنيات رقمية. هذا الربط بين الجدية والموثوقية عزز فكرة أن الوجه المحايد هو الشكل الطبيعي للصور الرسمية. في السابق، كان موظف الجوازات أو القنصلية هو المسؤول عن مطابقة الصورة بالوجه الحقيقي. وحتى في هذه المرحلة، كان التعبير المحايد يسهل عملية المطابقة البشرية. اليوم، ومع التطور التكنولوجي، انتقلت هذه المهمة تدريجيا إلى أنظمة التعرف البيومتري. تعتمد المطارات ونقاط الحدود في معظم دول العالم على خوارزميات تقوم بمسح الوجه ومقارنته بصورة الجواز أو التأشيرة خلال ثوانٍ معدودة. لماذا تكره الخوارزميات الابتسامة؟ برامج التعرف على الوجه لا تعمل كما يعمل البشر. فهي تعتمد على قياسات دقيقة لنسب الوجه، مثل: المسافة بين العينين عرض الفم شكل الأنف تناسق ملامح الوجه الابتسامة، خصوصا الواسعة منها، تغير هذه النسب مؤقتا، فتوسع الفم، وتضغط الخدين، وتغير شكل العينين. هذا التغيير قد يربك الخوارزميات ويقلل من دقة المطابقة، وهو ما يشكل مشكلة أمنية في سياق السفر والحدود. لذلك يعد التعبير المحايد المعيار الأكثر ثباتا ودقة. هل الابتسام ممنوع تماما؟ في كثير من الدول، لا يوجد حظر صريح على الابتسام، لكن التعليمات تشترط: فتح العينين بوضوح إغلاق الفم النظر مباشرة إلى الكاميرا عدم شد الفم أو العبوس أو تكشير الوجه بمعنى آخر، قد تمر ابتسامة خفيفة جدا لا تظهر الأسنان، لكن أي ابتسامة واضحة غالبا ما تؤدي إلى رفض الصورة. قاعدة عالمية باختلاف التفاصيل الالتزام بعدم الابتسام في صور جوازات السفر والتأشيرات ليس قاعدة محلية، بل معيار عالمي يستند إلى إرشادات منظمة الطيران المدني الدولي، التي تضع المواصفات الموحدة لوثائق السفر. ومع ذلك، تختلف درجة التشدد من دولة إلى أخرى. ففي الولايات المتحدة، وكندا، وبريطانيا، ومعظم دول الاتحاد الأوروبي، تطبق قواعد صارمة ومتقاربة إلى حد كبير، لا تسمح إلا بتعبير وجه محايد تماما، مع إغلاق الفم وفتح العينين بوضوح. وتعد فرنسا وألمانيا من أكثر الدول تشددا في مسألة تعبير الوجه، حيث ترفض أحيانا حتى الابتسامة الخفيفة التي ترفع زوايا الفم، التزاما صارما بالمعايير البيومترية. في المقابل، تطبق بعض دول آسيا وأفريقيا المعايير الأساسية نفسها، لكن مع قدر أكبر من المرونة في التفاصيل، خاصة فيما يتعلق بدرجة تعبير الوجه أو صور الأطفال، مع الحفاظ على وضوح الملامح كشرط لا غنى عنه. ماذا يحدث إذا خالفت القواعد؟ الصور غير المطابقة للمواصفات تعد من أكثر أسباب تأخير أو رفض طلبات جوازات السفر والتأشيرات. وفي حال تقديم صورة مبتسمة بشكل مخالف، يطلب من المتقدم إعادة تقديم صورة جديدة، ما قد يؤدي إلى تأخير المعاملة أو تعليقها لفترة طويلة. ولا تقتصر القواعد على الابتسامة فقط، بل تشمل أيضا: منع النظارات إلا لأسباب طبية موثقة. منع القبعات وأغطية الرأس، باستثناء الدينية. الالتزام بخلفية وإضاءة محددتين. استثناء الأطفال الأطفال، خصوصا الرضع، يخضعون لقواعد أكثر مرونة، نظرا لصعوبة إلزامهم بتعبير وجه محايد. ومع ذلك، يجب أن تكون ملامح الوجه واضحة، والعينان مفتوحتين قدر الإمكان. عدم الابتسام في صور جوازات السفر والتأشيرات ليس قاعدة حديثة فرضها الذكاء الاصطناعي، بل تقليد قديم نشأ لأسباب تقنية وثقافية وإدارية، ثم أعادت التكنولوجيا الحديثة تفسيره وتشديده لأسباب أمنية، لكن مؤخرا، قامت الولايات المتحدة ودول أخرى بتحديث قواعد تعابير الوجه في صور الوثائق الرسمية عام 2004، تزامنا مع تطور التكنولوجيا. وبينما تظل الابتسامة لغة إنسانية عالمية، فإن الوجه المحايد في الوثائق الرسمية يظل الثمن الصغير لعبور أسرع، وهوية أوضح، وأمن أعلى في عالم يعتمد بشكل متزايد على الآلة. المصدر: مواقع إلكترونية .