شفق نيوز- دمشق يشكّل التعاون الإقليمي في مجال مواد البناء أحد المسارات الحيوية لدعم السوق السورية وتلبية متطلبات المرحلة المقبلة، لا سيما في ظل الحديث المتزايد عن مشاريع إعادة الإعمار. إلا أن هذا التعاون، رغم اتساعه مع دول الجوار، ما يزال محكوماً بعلاقات تجارية آنية وصفقات منفردة، دون أن يرتقي إلى مستوى الشراكات المنظمة أو الإستراتيجيات طويلة الأمد. وبين القرب الجغرافي، وتنافسية الأسعار، والتحديات اللوجستية، تتبلور ملامح علاقة اقتصادية إقليمية تحتاج إلى تنظيم أعمق لتحقيق الفائدة المتبادلة والاستقرار المستدام. وبهذا الصدد أكد رئيس لجنة الاستثمار والتطوير العقاري في غرفة تجارة دمشق، مروان أورفلي، لوكالة شفق نيوز، أن التعاون القائم حالياً بين سوريا والدول المجاورة في مجال تأمين مواد البناء ما يزال غير منظم، ويقتصر على عمليات بيع مباشرة لكل من يرغب بالشراء، دون وجود شراكات حقيقية أو اتفاقيات طويلة الأمد. وأوضح أن معظم الشركات الخارجية تتعامل مع السوق السورية بنظام الصفقات المنفصلة، حيث تُدرس كل صفقة على حدة في إطار اختبار السوق. وبيّن أورفلي أن سوريا تعتمد في استيراد مواد البناء بشكل أساسي على تركيا والأردن والسعودية وإيران، وغالباً ما يتم ذلك عبر شهادات منشأ تركية بحكم القرب الجغرافي والعلاقات التجارية القديمة. ولفت إلى أن المستورد السوري يتمتع بقدرة تنافسية عالية، الأمر الذي ساهم في وصول أسعار مواد البناء في السوق المحلية إلى مستويات أقل من أسعارها في بلدان المنشأ نفسها. وأشار إلى عدم وجود نقص في مواد البناء الأساسية محلياً، بل على العكس هناك وفرة وفائض كبير، موضحاً أن أبرز التحديات اللوجستية التي تواجه عمليات النقل عبر الحدود تتمثل في ارتفاع تكاليف الوقود، إضافة إلى تعقيدات السماح للناقلات السورية بالعمل خارجياً، سواء بسبب صعوبات الحصول على الفيزا أو تقادم أسطول النقل السوري. وشدد أورفلي على أهمية إنشاء مخابر متخصصة لضمان جودة مواد البناء المستوردة ومطابقتها للمواصفات السورية، بما يحقق الثقة في المنتجات المتداولة في السوق كما كشف عن وجود خطط لتوسيع التعاون مع دول مجاورة جديدة في هذا المجال، مؤكداً أن المستورد السوري يُعد من الأقوى عالمياً ولن يتخلى عن أي فرصة تتيح له الحصول على سعر أكثر تنافسية. وأوضح أن تكلفة مواد البناء في سوريا تُعد من الأدنى عالمياً، مع توفرها بكميات كبيرة، وهو ما يشكل عامل جذب أساسي لمشاريع إعادة الإعمار. ونصح القائمين على هذه المشاريع بالاعتماد على سلاسل توريد سورية لتحقيق كلف أقل مقارنة ببلدانهم الأصلية، مشيراً إلى أن القطاع الخاص هو المبادر الأساسي حالياً، ما يفسر هيمنة عقلية الصفقات قصيرة الأمد، في حين لا تنشأ الشراكات طويلة الأمد إلا في حال توطين الصناعات داخل سوريا. وفيما يتعلق بحجم الاستيراد، أشار أورفلي إلى أنه "كبير من الدول المجاورة، دون توفر أرقام دقيقة"، لافتاً إلى أن المصانع المحلية فقدت قدرتها على المنافسة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، وغياب المبادرات الكفيلة بحمايتها من المنافسة غير العادلة. وأضاف أن الأسواق السورية تشهد تفوقاً لمنتجات دول معينة بحسب الصنف، حيث برزت مصانع الإسمنت السعودية، فيما تفوقت الصناعات الإيرانية والسعودية في قطاع السيراميك واعتبر أن هذا الواقع ألحق ضرراً بالصناعة السورية، ويعكس في الوقت ذاته الحجم الكبير للواردات. وأشار أورفلي إلى الخلل الواضح في الميزان التجاري، إذ تفوق الواردات الصادرات بأضعاف، بينما تحولت الصادرات بمعظمها إلى مواد أولية كالفوسفات والفواكه والبيض، مقابل استيراد منتجات نهائية مثل الأسمدة والعصائر والبسكويت. واعتبر أن هذا الوضع ينذر بضعف القدرة الشرائية، محذراً من تداعيات اجتماعية واقتصادية خطيرة، لولا التحويلات المالية من المغتربين. وختم أورفلي بالتأكيد على أن استقامة الاقتصاد تتطلب تصحيح الخلل في الميزان التجاري، داعياً الحكومة إلى اتخاذ إجراءات جادة تضمن الوصول إلى اقتصاد قوي وعملة وطنية مستقرة.