خارج النص- كتب حلمي الأسمر ليس "خيار شمشون” تفصيلًا عسكريًا في الهامش، ولا نظرية مؤامرة كما يُراد تسفيهها، بل اعتراف وجودي مكتوب داخل العقل الاستراتيجي الصهيوني، صاغه مفكرون وعسكريون، ووثّقه صحفيون وباحثون غربيون، وتداوله صناع قرار بوصفه الخيار الأخير لكيان لا يؤمن بالبقاء الطبيعي، بل بالبقاء المشروط بالابتزاز. الأخطر أن هذا الخيار لا يمثّل علنا كل الإسرائيليين، ولا حتى كل المؤسسة العسكرية، لكنه يظهر كلما انكشفت الهشاشة البنيوية للمشروع الصهيوني: حين يتآكل الغطاء الأخلاقي، ويضيق الزمن، ويقترب سؤال النهاية. عندها، لا يعود السؤال: كيف نعيش؟ بل: كيف نموت ونقتا معنا الجميع؟ في الرواية التوراتية، شمشون لا ينتصر. هو مهزوم، محاصر، فاقد السيطرة، فيختار الانتحار الجماعي: يهدم المعبد على نفسه وعلى من فيه. وحين تتحوّل هذه الحكاية إلى عقيدة دولة، فنحن لا نتحدث عن ردع، بل عن تهديد كوني صريح: إن لم أبقَ، فلن يبقى أحد. هذا هو جوهر خيار شمشون: ليس الدفاع عن النفس، بل تعميم الفناء. هذا الجنون لم يبقَ في حيّز الأسطورة. فقد قاله العقل الصهيوني الحديث علنًا، بالأسماء لا بالشعارات. مارتن فان كريفيلد، أحد أبرز المنظّرين العسكريين الإسرائيليين، صاغ الاعتراف الأخطر حين قال بلا مواربة: "إذا واجهت إسرائيل خطر الزوال، فلن تتردد في تدمير العالم من حولها.” هذا ليس توصيفًا نفسيًا، بل هو تأسيس قانوني–استراتيجي لفكرة استخدام السلاح النووي كأداة ابتزاز وانتقام، لا كملاذ اضطراري. إنها لحظة سقوط العقل الاستعماري في اعترافه الأخير. ثم جاء الصحفي الأميركي سيمور هيرش، ليُخرج السرّ من الغرف السوداء. في كتابه (خيار شمشون ) The Samson Option (1991)، كشف البرنامج النووي الإسرائيلي وربطه مباشرة بعقيدة شمشون. هيرش لم يخترع الجنون، لكنه وثّقه، وحوّله من همس داخلي إلى معرفة عالمية منشورة. منذ تلك اللحظة، لم يعد خيار شمشون احتمالًا… بل حقيقة. ومن ديان إلى شارون، لم تكن المسألة بحاجة إلى فلسفة. حين قال موشيه ديان إن إسرائيل يجب أن تكون "كلبًا مسعورًا لا يمكن الاقتراب منه”، وحين لمح أرييل شارون مرارًا إلى أن "إسرائيل لن تسقط وحدها”، كانا يعبّران عن الفكرة ذاتها: الردع عبر الجنون، والبقاء عبر تهديد شامل بلا خطوط حمراء. لكن ماذا يعني خيار شمشون فعليًا، بعيدًا عن البلاغة؟ يعني ببساطة، وبلا أي تجميل: إذا واجهت إسرائيل خطر الفناء، فإنها ستلجأ إلى التدمير الشامل — النووي — للإقليم، حتى لو شمل ذلك حلفاءها. إنه ابتزاز نووي صريح، واعتراف بالعجز عن البقاء الطبيعي، وسلوك كيان استعماري مؤقت يخشى لحظة الحساب. أي دولة هذه التي تجعل من نهايتها تهديدًا للبشرية؟ هنا بالضبط ندخل إلى أخطر لحظة راهنة: إيران. فالحرب التي تُلوّح بها واشنطن ضد طهران، ليس دفاعا عن المتظاهرين الإيرانيين (!) والتهديد الإيراني المتبادل باستهداف إسرائيل، لا يمكن قراءتهما كصراع نفوذ تقليدي، بل كاقتراب حقيقي من السيناريو الذي صُمّمت من أجله عقيدة شمشون أصلًا. إيران ليست غزة، ولا لبنان، ولا دولة عربية مفككة يمكن إخضاعها بجولة قصف. إيران هي الفاعل الإقليمي الوحيد القادر — نظريًا وعمليًا — على كسر احتكار الردع الإسرائيلي، بفضل عمقها الجغرافي، وقدراتها الصاروخية، وشبكتها الإقليمية متعددة الجبهات، وقدرتها على خوض حرب استنزاف طويلة تُرهق الجبهة الداخلية الإسرائيلية. لهذا السبب تحديدًا، تتحوّل أي مواجهة مباشرة مع إيران إلى تهديد وجودي محتمل في الوعي الاستراتيجي الصهيوني، لا بمعنى الهزيمة العسكرية فقط، بل بمعنى انكشاف حدود القوة، وتآكل أسطورة الردع، واهتزاز فكرة "الدولة التي لا تُهزم”. وهنا يتكشّف الدور الحقيقي لواشنطن. فالتهديد الأميركي بالحرب لا يُفهم كدفاع عن "الأمن القومي الأميركي”، ولا دفاعا عن الشعب الإيراني من نظام دكتاتوري(!) بل كجهد وقائي لإدارة الخطر الأكبر: منع إسرائيل من الوصول إلى لحظة العجز التي قد تستدعي تفعيل منطق شمشون. بكلمات أدق: واشنطن لا تحارب من أجل إسرائيل فقط ، بل تحاول منع إسرائيل من أن تفعل ما تؤمن به حين تُهزم. أما التهديد الإيراني بضرب إسرائيل، فهو لا يستهدف إشعال حرب شاملة بقدر ما يسعى إلى كسر احتكار الرعب، ونقل الصراع من منطق الضربة من طرف واحد إلى منطق القابلية المتبادلة للأذى. وهذا التحوّل هو ما يجعل خيار شمشون حاضرًا في الخلفية كهاجس مظلم لا كخطة معلنة. ومن هنا، تصبح أي حرب على إيران — في ظل وجود عقيدة شمشون النووية — جريمة وقائية بحق السلم العالمي، لأنها تفتح الباب أمام انفلات استراتيجي قد لا يبقى محصورًا في الإقليم، بل يمتد إلى العالم. وعند هذه النقطة، يبدأ سؤال الإرهاب الحقيقي. فالولايات المتحدة، ومعها المنظومة الغربية، تُصنّف جماعة الإخوان المسلمين "تنظيمًا إرهابيًا”، رغم حقيقة تاريخية موثّقة: هذا التنظيم، منذ تأسيسه قبل ما يقارب مائة عام، لم يُسجَّل عليه أنه استهدف مدنيين عُزّل، أو اعتمد العنف العشوائي، أو جعل من الإبادة أو الترويع الجماعي عقيدة أو وسيلة. وبموجب أي تعريف قانوني للإرهاب في قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني، فإن هذا التصنيف تعسّفي، مسيّس، ومنتهك لمبادئ الشرعية والتناسب والضرورة وحرية التنظيم السياسي والفكري. في المقابل، يمنح الغرب الشرعية الكاملة لكيانٍ يحتل الأرض بالقوة، وينتهك اتفاقيات جنيف بصورة منهجية، ويستهدف المدنيين والبنى التحتية المحمية قانونًا، ويحتفظ بعقيدة تهديد نووي شامل تُجيز تدمير الإقليم بأكمله إن واجه خطر الزوال. هنا لا يكون الغرب شاهدًا محايدًا، بل شريكًا جنائيًا: شريكًا في إعادة تعريف الإرهاب لا وفق الفعل، بل وفق هوية الفاعل؛ شريكًا في تحويل القانون إلى أداة قمع سياسي؛ وشريكًا في شرعنة الإبادة بوصفها "دفاعًا عن النفس”. الدفاع عن النفس يفترض ضرورة وتناسبًا وحدودًا أخلاقية واضحة. أما حين تحتل، وتقتل، وتُجوّع، وتهدّد بإحراق الإقليم إن رُفض احتلالك، فأنت لا تدافع عن نفسك، بل تدافع عن الجريمة بوصفها حقًا وجوديًا. في الخاتمة، يمكن القول إن "خيار شمشون” ليس السلاح الأخير لإسرائيل، بل اعترافها الأخير: اعتراف بأنها كيان لا يستطيع العيش دون تهديد، ولا يفهم البقاء إلا عبر الفناء، ولا يرى العالم إلا رهينة لوجوده. وحين يبرّر الغرب هذا الخيار، ويُجرّم من لا يحمل سوى فكرة أو خطاب أو احتجاج، فإنه لا يفقد إنسانيته فقط، بل يفقد أي أهلية أخلاقية أو قانونية لتعريف الإرهاب. والأهم من كل هذا طبعا: وجود هذا الكيان المجرم ليس خطرا على الفلسطينيين ولا على العرب فقط بل إنه سرطان خبيث يهدد العالم كله, وعلى كل من لديه ذرة شعور بالإنسانية أن يتوقف عن دعمه أو توفير اي مظلة حماية له ليسقط ويتخلص العالم من أذاه.. .