وهكذا نعلن: بين بحرين يتشكّل مستقبل العالم..

وسوف نعلم أن البحر الأبيض المتوسط ليس مجرد مساحة مائية تفصل بين ثلاث قارات، بل هو بحق «أبو البحار» وأحد أهم مفاتيح الجغرافيا السياسية في العالم. فمنذ العصور القديمة، كان هذا البحر مركزاً للتجارة والحروب وتبادل الثقافات، وسبباً مباشراً في صعود وسقوط الإمبراطوريات. السيطرة عليه لم تكن يوماً مسألة ثانوية، بل كانت شرطاً أساسياً لبناء النفوذ والاستمرار في قيادة النظام الدولي.ولا تقل أهمية البحر الأحمر عن نظيره الأبيض المتوسط، إذ يمثّل شرياناً حيوياً يربط الشرق بالغرب عبر باب المندب وقناة السويس. هذا البحر يتحكم في حركة التجارة العالمية، خاصة تجارة الطاقة والبضائع القادمة من آسيا إلى أوروبا. ولهذا فإن استقراره أو اضطرابه ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار النفط وسلاسل الإمداد.إن البحرين الملونين؛ البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، يتوقف عليهما مصير المنطقة ككل، كما تتشكّل حولهما تحالفات المستقبل والاستراتيجيات القادمة. وفي حال اندلاع صراع كبير بين القوى العظمى، مثل الصين والولايات المتحدة، فإن هذين البحرين سيكونان مسرحاً رئيسياً لإدارة الصراع غير المباشر. فلا يمكن لروسيا أن تصبح قوة عالمية مؤثرة دون موطئ قدم في البحر الأبيض المتوسط، ولا يمكن للمشروع الصيني الضخم، المعروف بطريق الحرير، أن يحقّق أهدافه دون ضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر.وتتداخل مع هذه المعادلة قضايا حيوية أخرى، مثل سد النهضة، الذي يمثّل مثالاً واضحاً على استخدام الموارد المائية كأداة استراتيجية. كما تعيد حكايات السد العالي إلى الأذهان كيف يمكن لمشروع مائي واحد أن يغيّر موازين القوة، ويعيد رسم العلاقة بين الجغرافيا والسياسة والأمن القومي.ويؤكد التاريخ أن الإمبراطوريات الكبرى لم تنجح إلا عندما سيطرت على البحر الأبيض المتوسط، سواء عبر الأساطيل العسكرية أو النفوذ التجاري. واليوم، نشهد تزاحماً واضحاً بين روسيا وأمريكا وحلف الناتو وإسرائيل، حيث تتنافس هذه القوى على القواعد العسكرية وخطوط الطاقة والممرات البحرية. هذه المحاولات المتسارعة للسيطرة سيكون لها تأثير مباشر على خريطة المنطقة ومستقبلها السياسي والأمني.وفي هذا الإطار، يبرز الدور السعودي في البحر الأحمر كدور متميّز وعقلاني، يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي. فالمملكة تنظر إلى البحر الأحمر بوصفه جزءاً أصيلاً من أمنها الاستراتيجي. كما تبرز أهمية التنسيق السعودي المصري، خاصة أن السعودية تعد أكبر دولة مطلة على البحر الأحمر، ما يجعل حماية هذا الممر الحيوي ضرورة لأمن الطاقة وضمان استقرار أسواق النفط العالمية.