البنك الوقفي كرافعة لاستدامة القطاع غير الربحي (2-2)

في السياق السعودي، لا يمكن تناول البنك الوقفي بوصفه امتداداً تقليدياً لمفهوم الوقف، بل باعتباره أداة مؤسسية حديثة تتسق بعمق مع منطق رؤية السعودية 2030، التي أعادت تعريف أدوار الدولة، والسوق، والقطاع غير الربحي ضمن نموذج تنموي أكثر كفاءة واستدامة.رؤية 2030 لم تنظر إلى القطاع غير الربحي كقطاع هامشي أو نشاط تكميلي، بل كركيزة ثالثة في الاقتصاد الوطني، لها مستهدفات كمية واضحة، وحوكمة، وقدرة على توليد الأثر الاجتماعي والاقتصادي. هذا التحوّل الطموح كشف فجوة حقيقية فالطموحات توسعية، لكن أدوات التمويل السائدة في القطاع غير الربحي ما زالت تقليدية، تعتمد في الغالب على التبرعات الموسمية، والمنح غير المستقرة، والإنفاق المباشر. من هذا المبدأ، تعد هذه الأدوات لا تتماشى مع منطق الاستدامة ولا مع متطلبات التوسع المؤسسي.من هنا، تبرز أهمية البنك الوقفي كحل هيكلي، لا كشكل خيري. فجوهر البنك الوقفي يتمثّل في تحويل الأصول الوقفية من أصول ساكنة إلى رؤوس أموال عاملة، تُدار وفق مبادئ مالية احترافية، وتُستثمر بعقلية طويلة الأجل، مع الحفاظ على الغاية الاجتماعية للأصل الوقفي. هذا التحول ينسجم مع توجه السعودية نحو تعظيم كفاءة استخدام الموارد، سواء كانت عامة أو خاصة.تكمن أهمية البنك الوقفي في التحوّلات الجارية للقطاع غير الربحي في ثلاثة مسارات رئيسية. المسار الأول هو الاستدامة المالية؛ إذ يوفر البنك الوقفي مصدر تمويل غير مرتبط بتقلبات التبرعات، ما يسمح للمنظمات غير الربحية بالتخطيط بعيد المدى بدل إدارة الأزمات قصيرة الأجل. المسار الثاني هو الحوكمة والشفافية؛ فإدارة الأصول الوقفية ضمن إطار مصرفي أو شبه مصرفي تفرض معايير أعلى من الإفصاح، وإدارة المخاطر، وقياس العائد، والأثر. أما المسار الثالث فهو تعظيم الأثر؛ حيث ينتقل العمل غير الربحي من منطق «الصرف» إلى منطق «التمويل المبني على النتائج».اقتصادياً، يمثل البنك الوقفي أداة ذكية لتخفيف الضغط عن المالية العامة دون تحميل المواطن أو الدولة أعباء إضافية. فتمويل التعليم، أو الصحة، أو الإسكان الاجتماعي عبر عوائد وقفية مستثمرة يقلل الحاجة إلى الإنفاق الحكومي المباشر، ويخلق شراكة مستدامة بين الدولة والقطاع غير الربحي، دون أن تفقد الدولة دورها التنظيمي أو الرقابي.غير أن التحدي الحقيقي لم يعد في الفكرة ذاتها، بل في سرعة الانتقال من القناعة إلى التنفيذ. فالتباطؤ في تصميم نموذج حوكمة واضح للبنك الوقفي، أو الاستمرار في إخضاعه لمنطق الصرف قصير الأجل بدل الاستثمار طويل الأجل، يعني عملياً إهدار فرصة تنموية تتسع فجوتها مع الزمن. نجاح التجربة السعودية يتطلب تحركاً مؤسسياً عاجلاً لبناء نموذج متوازن منذ البداية؛ نموذج يرسخ الانضباط المالي، ويحمي مقاصد الوقف، ويواكب مستهدفات التنمية الوطنية، قبل أن تتحول الحاجة إلى عبء، والطموح إلى تكلفة مؤجلة. في المحصلة، البنك الوقفي ليس ترفاً مؤسسياً، بل استجابة اقتصادية ناضجة لمرحلة تحول كبرى. وهو أحد المفاتيح التي يمكن أن تنقل القطاع غير الربحي في السعودية من الاعتماد إلى الاستدامة، ومن العمل الخيري إلى العمل التنموي المؤثر.